وقوله :
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
خير الأمرين ، أو تعلمون فضل الصيام وإن كنتم علماء مميّزين .
الأسرار
قال الذين كتب عليهم الصيام وقاموا بمواجبه حقّ القيام : إنّ الصيام كان مكتوبا على كلّ أمّة من الأمم السالفة وهو الإمساك عن الطعام والشراب في اليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في أمّة ، ومن طلوع الشمس إلى غروبها في أمّة ، والإمساك عن اللحم وكلّ ما يتّخذ من الحيوان في أمّة ، والنهار على سنّة أمّة ، وفي النهار خاصّة على شريعة أمّة ( 309 ب ) .
وكما كان الصيام عن الطعام مكتوبا على الأمم كان الصيام عن الكلام مكتوبا على بعض الأنبياء :
إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا .
فالصيام عن الطعام حمية للبدن ، والصيام عن الكلام حمية للنفس ، وحمية الأبدان أولى بالأمم وحمية النفوس أولى بالأنبياء - عليهم السلام - وكما أثّرت حمية الطعام في الأبدان حتّى عادت إلى سنن الاعتدال في المزاج كذلك أثّرت حمية الكلام في النفوس حتّى عادت إلى سنن الاعتدال في العقل . . . « 1 » وباعتدال المزاج قبول النفس النباتية والحيوانية والإنسانية . . . « 2 » وباعتدال العقل الكلمة النبوية والملكية والربّانية ، وحيثما كانت الكلمة نازلة من السماء إلى الأرض كان الصيام عن الكلام واجبا على قابل الكلمة :
قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً
وذلك لزكريّا - عليه السلام - حين تجسّدت الكلمة بجسد يحيى - عليه السلام - قالت
إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا
وذلك لمريم - عليها السلام - حين تجسّدت الكلمة بجسد عيسى - عليه السلام - .
ولمّا كان شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن كلمات اللّه التامّات الطاهرات الطيّبات قال تعالى :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
إذا فتحت أبواب الأرزاق السماوية أغلقوا أبواب الأرزاق الأرضية ، وإذا اتّحدت كلمات اللّه التامّات بروح المصطفى - صلوات اللّه عليه
هامش
( 1 ) . في الأصل ثلاث نقاط .
( 2 ) . في الأصل سبع نقاط .