فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ .
شحّت بها نفوس قوم وسخت بها نفوس آخرين 50 القصّة ذات القصّة ، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضرّاء ، غيّر النسق من الفعل إلى الاسم ، وغيّر الإعراب من الرفع إلى النصب ؛ إذ تغيّر المعنى من أعمال البدن إلى أعمال النفس ، وكان الإيمان باللّه واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيّين من تكاليف العقل خاصّة ، والوفاء بالعهود والصبر في البأساء والضرّاء من تكاليف النفس خاصّة ، وإنفاق المال على الفقراء والصلاة والزكاة من تكاليف البدن بشركة العقل والنفس .
ثمّ الوفاء بالعهد بتعلّق بأهل الدين وقد يتعلق بفروعه من عهود تجري بين المؤمنين ، ومن ذلك الجهاد في سبيل اللّه ، فإنّ المؤمنين قد عاهدوا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - على ذلك وفيهم نزل :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ؛
وأمّا الصبر في البأساء والضرّاء فمن كبار الأخلاق ، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، والصبر ( 303 آ ) أمير جنود الأخلاق ، وأجر الصابرين بغير حساب .
اللّهمّ ! نسألك الصبر على طاعتك والصبر عن معصيتك ، وما من عمل من الأعمال إلّا والصبر فيه محمود العاقبة ، ويتضمّن ذلك الصيام والصمت عن الخنا والفحش ؛ فهذه الخصال العشر هي البرّ والتقوى . وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « فوق كلّ برّ برّ حتّى يقتل الرجل في سبيل اللّه . » 51
ثمّ لما كان مبنى الدين على أمرين أحدهما الصدق والثاني الطهارة ختم الآية بالأمرين :
أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
والتقوى من باب التطهير . هذه صفات الأبرار والعالم لم يخل قطّ عن الأبرار كما لم يخل عن الأشرار ، وقد أمرنا بالتوقّي والكون مع الصادقين :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
فلو لم يكن في المكلّفين من يقدر على التقوى لما أمروا بالتقوى ، ولو لم يكن في العالم صادقون ما أمرنا بالكون مع الصادقين ؛ فإنّ التكليفين تكليف المستطاع لا تكليف ما لا يطاق .