قضية العقل الإمهال والانتظار والرجعة والانتظار ، قال تعالى :
لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
فالكافر يستحقّ اللعنة في دار التكليف بحكم كفره لعنا مشروطا بشرط ، ويستحقّ اللعنة في دار الجزاء بحكم كفره غير مشروط بشرط ، إذ قد تبيّن من كل وجه أنه لا يؤمن قط ، أنظر أو لم ينظر فصار أمره مفروغا عنه .
وسرّ آخر : يؤيّد قوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
إشارة إلى الكون الأوّل :
وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ
إشارة إلى الكون الثاني ؛ وكما للحقّ كونان كذلك للباطل كونان ، وهو في الكون الأوّل لا يستحقّ اللعن المؤبّد وفي الكون الثاني يستحقّ ذلك . فلذلك قال :
خالِدِينَ فِيها
أي في اللعنة والعقوبة . ثمّ تفسير اللعن بالطرد والإبعاد على طريق التوسّع في العبارة لا على طريق الحقيقة والمطابقة ، بل المطابق له بالفارسية « نفرين » في مقابلة « آفرين » وهو أن يكون الخلق له خلقا على الحقيقة ، والخلق تفسيره بالفارسية « آفرينش » و « نفرين » ضدّه وهو أن يكون خلقيته بالمجاز لا بالحقيقة ، كالظلّ ( 283 آ ) للشخص وكالصورة بالمرآة ؛ فيشبه أن يكون خلقا وليس بخلق ؛ ولمّا ظهر من إبليس شرّه من سرّه لم يبق له وجود على الحقيقة كوجود آدم - عليه السلام - وذلك معنى قوله تعالى :
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ
وذلك شبه الخلق ، والباطل يشبه الحقّ في الكون الأوّل ، ولمّا كان كونه الأوّل إلى يوم الدين كان لعنته مؤقّتة إلى يوم الدين ، حتّى إذا حان يوم الدين وظهر الدين كلّه لمالك يوم الدين ارتفع عنه الشبه وصار إلى سجّين معذّبا ، على أن لا يكون له شبه الحقّ البتّة ، كالذين ماتوا وهم كفّار فعليهم لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين .
وسرّ آخر : فالوجود الحقيقي لمّا كان محصورا في ثلاثة أقسام : وجود جسماني ، ووجود روحاني ، ووجود ربّاني منه وجود الجسماني والروحاني ، وليس للكافر أحد هذه الوجوه من الوجود ، بل كان له شبه الوجود وليس بوجود . كان له « نا آفرين » كما يقول « نيست » أي « نه است » ؛ فلم يكن له وجود ولا عدم محض ، ولا حياة ولا موت :
لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ؛ *
فكان عليه لعنة اللّه أي أبعد من جود وجوده ، والملائكة أي إبعاد من وجود روحانيّتهم ، والناس أي المؤمنين إبعاد من وجود جسمانيتهم ، والناس هاهنا المؤمنون الذين هم الناس المعنيون بقوله :
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ
فهو بعيد الوجود طريد الذات من الوجوه الثلاثة .