قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ
أوضحنا العلامات الدالّة على التوحيد والنبوّة بما يغني الموقنين عن الاحتكام على الرسل والاقتراح عليهم .
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ،
قيل : أي يطلبون الإتقان بالنظر في الآيات ؛ وقيل : الذين حصل لهم اليقين بآية واحدة لم يطلبوا آية أخرى عنادا وجحودا .
النظم والأسرار
قال الموقنون بآيات اللّه : إنّ الذين قالوا
لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ
على ظنّهم طالبون لليقين ، وقد نسبهم اللّه تعالى إلى الجهل المطلق ؛ إذ وضعوا نفوسهم وعقولهم موضع النبوّة ؛ فتستعدّ كلّ نفس وعقل لأن يكلّمه اللّه ؛ وفي ذلك إنكار النبوّة خاصّة بواحد من البشر مخصوص ؛ فنفوا المتوسّط وادّعوا استحقاق كلّ واحد لإثبات التوسّط ، ظنّا منهم أنّ العقول والنفوس متساوية . فكما استحقّ واحد أن يكلّمه اللّه كذلك يستحقّ كلّ أحد . أو لم يستحقّ كلّ واحد ؛ فليكن المدّعي للنبوّة ممتازا عنّا بآية من عند اللّه ، لنعرف تخصّصه عن سائر البشر بتلك الآية عند اللّه ، وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون ؛ وقد بيّنّا فيما قبل أنّ طلب الآيات احتكام على النبيّ ثمّ احتكام على اللّه ، ومثل هذا الاحتكام تكليف ما لا يطاق على النبيّ ؛ إذ الإتيان بالآية ليس مقدورا له ، وإيجاب ما لا يجب على اللّه تعالى ؛ إذ خلق الآية ليس واجبا عليه ولا تكليم البشر حتما عليه ، وكلا السؤالين محال ، والمحال على اللّه تعالى كفر .
وسرّ آخر :
لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ
تصديقا لك بالقول ،
أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ
تصديقا لك بالفعل ؛ فإنّ الآيات تنزّل منزلة التصديق بالقول ( 234 ب ) والمعنى هلّا صدّقك اللّه تعالى قولا ، فنسمعه منه ، أو هلّا صدّقك فعلا ، فنعقله منه ؛ وكانت هذه المقالة شبهة الماضين من قبلهم ؛ فمنعتهم من الإقرار بالنبوّات وقبول التكاليف .
قال اللّه تعالى :
كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ
وعند المتكلّمين أحد السؤالين محال والثاني متوجّه ؛ فيجب على المستجيب أن يطلب الآية حتّى يكون تصديقه عن بصيرة لا عن تقليد ، ويجب على النبيّ أن يأتي بالآية حتّى تكون دعوته متميّزة عن