عقّب ذلك بقطع الطمع عن إيمانهم رأسا ، ومن كان صفة قلبه كما وصف سبحانه كيف يرجى منه الإيمان ؟ ! فقال : أفتطمعون أيّها المؤمنون أن يصدّقوكم ؟ !
التفسير
قال أهل التفسير : الألف هاهنا بصورتها للاستخبار وبمعناها للإنكار ؛ وربّما يكون معناها النهي ، أي لا تطمعوا في إيمانهم ؛ وقال الضحّاك : قال ابن عبّاس : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد بان الذنوب على قلوبهم ؛ وروي عنه أيضا أنّه قال : « 1 » معناه أفتطمع يا محمّد في إيمان كعب بن الأشرف ( 183 ب ) « 2 » وأصحابه ؟ !
وقد أراد المتكلّم أن يتخلّص عن إشكال هاهنا وهو أنّ التكليف لم ينقطع عنهم وهو طلب الإيمان منهم ، فكيف جمع بين طلب الإيمان وبين اليأس عن الإيمان ؟ ! وأجاب بأنّ العلم بأنّه لا يؤمن ، والخبر عنه على وفق العلم لا ينافي إمكان وقوع الإيمان ، ومورد التكليف الإمكان وهو باق ؛ وهذا لا يرفع الإشكال ؛ فإنّ الإمكان في جنسه باق ؛ إذ الإيمان ممكن الجنس على الإطلاق ؛ فأمّا الإمكان في عين ما علم منه وأخبر عنه بأنّه لا يؤمن رفع الإمكان وألحقه بالمحال ؛ فهو وإن كان ممكن الجنس في ذاته فهو محال الوقوع بالنسبة إلى علمه وخبره ؛ فالإشكال باق .
وقوله - جلّ وعزّ -
وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ
فيجوز أن يكون موضع هذه الجملة النصب للحال ، أي كيف تطمعون أن يؤمنوا لكم وهم على حال أنّ فريقا منهم يسمعون كلام اللّه ثم يحرّفونه ؟ ! وإذ كان هؤلاء القوم على دينهم وموالاتهم فحكمهم حكم أولئك القوم ، وقد يجوز أن يكون ذلك ابتداء كلام .
وذكر المفسّرون طريقين في المراد بالذين يسمعون ويحرّفون :
أحدهما : أنّ المراد به السبعون المختارة ، وذلك أنّهم سألوا موسى - عليه السلام - أن يسمعوا كلام اللّه ؛ فقالوا قد حيل بيننا وبين رؤية اللّه جهرة ؛ فأسمعنا كلامه حتّى نؤمن ونصدّق حين يكلّمك . فسأل موسى ربّه ؛ فأوحى اللّه تعالى : من أحبّ أن يسمع كلامي فليعتزل النساء
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .
( 2 ) . س : 183 آ وهو خطأ .