وفي معاني القرآن يذكر الوجوه المختلفة للكلمة القرآنية بتفصيل نسبيا ، وينقل المعاني عن الفرّاء ، وابن فارس ، والقفّال ، والحسين بن الفضل البجليّ ؛ ويظهر أنّه ينقل المعاني عن هؤلاء من كتبهم مباشرة .
والشهرستاني يثبت بهذا النقل الواسع لآراء المفسّرين من الصحابة والتابعين وغيرهم أنّه يرفض التفسير بالرأي ، ويلتزم طريق التفسير بالمأثور ؛ وسنرى أنّه في ذكره للأسرار يلتزم نفس النهج ذاهبا إلى أنّ هذه الأسرار من علوم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - المستودعة لدى أهل بيته .
والنظم بين الآيات : أو المناسبة بينها علم أفرد له الباحثون في علوم القرآن أبوابا خاصّة ؛ « 1 » ويرتبط بمسألة الترتيب التوقيفي للقرآن . فالمفسّر الذي يبحث عن المناسبة بين كلّ آية وما سبقها لا بدّ أن يؤمن مسبقا بوجود ارتباط بين هذه الآيات ، ولا يحصل هذا الارتباط إلّا إذا كان ترتيب الآيات فيه يقوم على أساس توجيه خاصّ . من هنا لا بدّ أن يكون صاحبنا قد آمن سلفا بأنّ ترتيب الآيات الموجود في القرآن توقيفي تمّ بتوجيه النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - .
ويبدو أنّ القفّال اهتمّ أكثر من غيره من المفسّرين بالبحث عن المناسبة بين الآيات ، حتّى وجد المناسبات التي صعب على غيره أن يجدها كقوله تعالى في سورة القيامة :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
فإنّ وجه مناسبتها لأوّل السورة وآخرها عسير جدّا ؛ فالسورة كلّها في أحوال القيامة ؛ « 2 » والقفّال ربط هذه الآية بآية سابقة هي قوله تعالى :
يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
قال : يعرض عليه كتابه ؛ فإذا أخذ في القراءة تلجلج خوفا ، فأسرع في القراءة ، فيقال له : لا تحرّك به لسانك لتعجل به ، إنّ علينا أن نجمع عملك وأن نقرأ عليك ، فإذا قرأناه عليك فاتّبع قرآنه بالإقرار بأنّك فعلت ، ثمّ إنّ علينا بيان أمر الإنسان وما يتعلّق بعقوبته . « 3 »
ولا نستبعد أن يكون الشهرستاني قد نقل المناسبات من القفّال ، لاعتماده عليه كثيرا في التفسير .
وفي أسباب النزول : يلاحظ أنّ الشهرستاني يذكر كلّ القرائن البعيدة والقريبة . فنرى
هامش
( 1 ) . انظر : الإتقان ، النوع 62 .
( 2 ) . انظر : الإتقان 2 / 110 .
( 3 ) . انظر : التفسير الكبير 30 / 223 .