ينزفون ، وعسلها مصفّى شفاء لصدور المؤمنين ، وأزواجهم فيها مطهّرة ، وولدانهم مخلّدون ، ولحمهم لحم طير ممّا يشتهون ،
وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ
ليس فيها شجرة خبيثة ينهى عنها ، ولا على ساكنها تكليف يمتحن به ، بل المفروغ الكامل يسكن الجنّة المفروغ عنها .
فإذا حصل لنا جنّتان وإليهما الإشارة بقوله :
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ
جنّة السماء المفروغ عنها ، وقد سكنها آدم الروحاني الذي شخصه هذا الذي خلق من طين ، وزوجه المخلوق منه حوّاء الروحانية التي شخصها هذه التي خلقت من ضلع آدم . فإن شئت حملتهما على العقل والنفس فهما زوجان ، وإن شئت حملتهما على النفس والطبيعة فهما زوجان ؛ والشجرة المنهيّة عنها شجرة العقل الأوّل ، أو شجرة الكلمة العليا ؛ فأكلا منها ؛ فبدت لهما سوآتهما لنقصان درجتهما عن درجة العقل ؛ فلذلك قيل : اهبطوا إلى العالم السفلي ، ولكم في الأرض مستقرّ ومتاع إلى حين حتّى يستوي حال النفس ؛ فمكّنها الوصول إلى عالم العقل الكامل الذي هو جنّتها وشجرتها ونعيمها وملكها وخلودها وبهجتها وسعادتها ، وتكون الوجوه حينئذ ناعمة ،
لِسَعْيِها راضِيَةٌ ، فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ
و
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
فهو ملك القيامة الكبرى ؛ والشيطان الموسوس المزلّ هو الجهل الذي لم يسجد للأمر ( 125 ب ) ، وهو المشابه للعقل وليس بعقل يضلّ ويزلّ ؛ وما يضلّ في الحقيقة إلّا الفاسقين من ذرّيّته ، بل لا يحصل من إضلاله إلّا كمال حال ووصول إلى سعادة على الكمال .
وإن حملت الجنّة على جنّة أرضيّة مستأنفة هي بستان من بساتين الأرض حملت آدم الجسماني الذي خلق من طين على الشخص الأوّل من النوع الإنساني ؛ فيكون إبليس المعارض له من أشخاص الجنّ شخصا كلّه ذلك الجهل المعارض للعقل الأوّل المشابه له مشابهة الظلّ للشخص أو الظلّ للظلّ ، ظلّ ظليل يقابله ظلّ الحرور ؛ فيكون أحد الظلّين نورا كلّه ، والظلّ الثاني ظلاما كلّه .
فحصلت من هذا الفصل على إثبات جنّتين : إحداهما مفروغة في العالم المفروغ لشخص مفروغ ، والثانية مستأنفة في العالم المستأنف لشخص مستأنف ، وعلى إثبات