الأسرار
وروي عن أمير المؤمنين عليّ - رضي اللّه عنه - خطبة في خلق آدم - صلوات اللّه عليه - بعبارات جامعة لجميع الروايات تزرى بالدرر المنظومة واللآلئ المكنونة . قال : « ثمّ جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها وعذبها وسبخها تربة سنّها بالماء حتّى خلصت ، ولاطها بالبلّة حتّى لزبت ؛ فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول ، وأعضاء وفصول ، أجمدها حتّى استمسكت ، وأصلدها حتّى صلصلت لوقت معدود وأجل معلوم ، ثمّ نفخ فيها من روحه ؛ فمثّلت إنسانا ذا أذهان يجيلها ، وفكر يتصرّف بها ، وجوارح يجتدمها ، وأدوات يقلبها ، ومعرفة يفرق بها بين الحقّ والباطل والأذواق والمشام والألوان والأجناس ، معجونا بطينة الألوان المختلفة ، والأشباه المؤتلفة ، والأضداد المتعادية ، والأخلاط المتباينة ، من الحرّ والبرد والبلة والجمود والمساءة والسرور . واستأدى اللّه الملائكة وديعته لديهم ، وعهد وصيّته إليهم ، في الإذعان بالسجود له والخشوع لتكرمته ؛ فقال :
اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ *
وقبيله ، اعترتهم الحميّة ، وغلبت عليهم الشقوة ، وتعزّزوا بخلقة النار ، واستوهنوا خلق الصلصال ؛ فأعطاه النظرة استحقاقا للسخطة واستتماما للبلية ، وانجازا للعدّة ؛ فقال : إنّك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم . » 499
وسرّ آخر : أنّ التنزيل قد يخبر عن خلق آدم - عليه السلام - شخصه كما قال تعالى :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ؛
وقد يخبر عن النوع والذّرّية كما قال تعالى :
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ ؛
وقال :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ؛
فتارة تكون النطفة من إنسان وتارة يكون الإنسان من نطفة ؛ وإذا قلت كلّ إنسان من نطفة وكلّ نطفة من إنسان ، صار الأمر دائرا ودورا ؛ فيتوقّف وجود كلّ واحد منهما على الثاني ، وذلك محال ؛ فلا بدّ إذن من الانتهاء إلى واحد من الطرفين ، وما ينتهى إليه فهو المبتدأ به ، والابتداء بالأكمل منهما يكون وهو الإنسان ، وما تحقّق له مبدأ تحقّق له كمال ؛ فالمبدأ في خلق الإنسان على لسان الشرع بآدم ، والكمال شخص آخر ، وذلك هو الخطّ المستقيم ؛ وعلى لسان الفلسفة يكون الأمر دورا ؛ فلا يكون ثمّ مبدأ وكمال هو الدائر المستديم .
ثمّ إنّ الشرع نهانا عن التفحّص عمّا قبل أبينا آدم - عليه السلام - أكانوا من نوع الإنسان أو