وسرّ آخر : أنّ المعاني تتشخّص بالأقوال والأفعال ، كما أنّ الروحانيات تتشخّص بالأشباح والأجساد ؛ وكما أنّ الروحاني يتمثّل بشرا سويّا ، كذلك الدعاء والثناء والحمد تمثّلت صلاة بأركانها وأبعاضها وهيئاتها ؛ فهي في حيّز المعاني معنى واحد ، وفي حيّز الصور والأشكال أقوال وأفعال على هيئات مخصوصة ؛ فالمعاني توجد في الكتاب ، والصور توجد من السنّة ؛ ولو قيل : « إنّ الإيمان بالغيب من المعاني ، ومظهره الصلاة والزكاة ؛ فلا إيمان لمن لا صلاة له ولا صلاة لمن لم يؤدّ الزكاة » كان ذلك صحيحا ؛ وهو وجه النظم بين الكلمات .
قوله - جلّ وعزّ - :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ .
الرّزق « 1 » : اسم ولا يوضع موضع المصدر ؛ والرّزق بالفتح المصدر ؛ وأصله في اللغة الحظّ ( 56 ب ) والنصيب ، كما قال تعالى :
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
أي حظّكم ونصيبكم تكذيبكم ؛ والرزق : العطاء قال اللّه تعالى :
وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ *
أي أفضل المعطين ؛ وقيل : إنّ كلّ ما انتفع به المرء يسمّى رزقا ، حلالا كان أو حراما ؛ وقيل : كلّ ما ينتفع به من الحلال يسمّى رزقا ، والحرام لا يسمّى رزقا ؛ واللّه تعالى لا يمنّ بالحرام على العبد ؛ ولا يوجب الزكاة في الحرام ؛ والإنفاق أصله الإخراج إمّا عن اليد أو الملك ؛ والمنافق سمّي بذلك لخروجه ممّا ادّعاه من الإيمان ، ومنه النافقاء الذي يقابل القاصعاء ، وذلك مدخل الفأرة ومخرجها .
قال أهل التفسير :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ
« 2 » أي ملّكناهم وأعطيناهم ينفقون ، أي يتصدّقون ؛ قال ابن عبّاس : أراد به الزكاة ، وهو قول قتادة ؛ وقال الضحّاك أراد به التطوّع ؛ وقال غيره : هو عامّ في الفرض والنفل ، وقال السدّي : أراد به نفقة الرجل على عياله ، ويروى ذلك عن ابن مسعود ؛ لأنّ ذلك كان قبل فرض الزكاة ؛ وقال غيرهم : هو النفقة في سبيل اللّه . قال اللّه تعالى :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . *
والأشبه أنّ ذلك عامّ في الكلّ .
الأسرار
ولا تغفل عن العموم والخصوص في الرزق ، كما في الرحمة والنعمة ؛ فإنّ من الأرزاق ما
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة .
( 2 ) . في الهامش عنوان : التفسير .