الأسرار
قال أهل العلم بالقرآن : إنّ الأنبياء - عليهم السلام - دعوا الناس إلى الإيمان بالغيب والاتّباع والتسليم لما يعلم وما لا يعلم ؛ وعند عامّة المتكلّمين أنّهم دعوا الناس إلى البصيرة والبرهان ، ثمّ تناقض الرأي عليهم في من لم يحصّل البصيرة بدعوة النبيّ ، أيخالفه في النظر أم يتّبعه على التقليد ؟ وانتقض الرأي عليهم من وجه آخر : إنّ البصيرة تحصل من مجرّد النظر ؛ فلا يحتاج إلى الإيمان بالنبيّ ولا إلى كتابه المنزل عليه ولا إلى إرشاده وهدايته ؛ ولم يعرفوا طرق الأنبياء - عليهم السلام - ( 55 آ ) أنّهم دعوا الناس إلى التسليم . ثمّ الهداية والبصيرة تحصل بعد الإيمان والتسليم . قال إبراهيم - عليهم السلام - :
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا
وكذلك حال جميع الأنبياء - عليهم السلام - ، وأمرنا بذلك أيضا ، قال تعالى :
وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ .
ففي هذه الآية
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
أي : الكتاب هدى للذين يؤمنون بما لا يرون ولا يعلمون ؛ فتكون هدايتهم عن تسليم واتّباع ، ولا يتوقّف اتّباعهم على بصيرة وهداية ؛ ولهذا مدح إبراهيم :
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ،
وكذلك قال موسى للخضر - عليهما السلام - :
هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً .
فكمال حال الأنبياء والمؤمنين على درجاتهم هو الإيمان بالغيب ، والصبر على ما لم يعلم حتّى يعلم ، والتسليم للأمر بعد التحكيم ، والاتّباع قبل التعليم ، وكلّ ذلك من باب واحد .
وسرّ آخر : أنّ الإيمان بالغيب على ظاهره يشبه أن يكون تقليدا وهو بصيرة ، والصبر على ما لا يعلم ، والتسليم لمن يعلم فطرة ؛ فإنّ كلّ إنسان يعلم من نفسه أنّه لا يعلم كلّ العلم ، ويعلم أنّه محتاج إلى عالم يعلم ، وحاجته تلك فطرة ؛ فالأنبياء - عليهم السلام - دعوا الناس إلى التسليم الذي يضمن الفطرة ، وإلى الفطرة التي أوجبت التسليم ؛ فلاهم مقلّدون ، ولا دعوا الناس إلى التقليد ، بل بيّنوا الفطرة ثمّ دعوا الناس إلى الفطرة ، وهو عين البصيرة .
وسرّ آخر : أن نرى في قوله :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
وفي قوله :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
حكمي المفروغ والمستأنف من وجهين :
أحدهما : أنّ الهداية من باب المفروغ ، والإيمان بالغيب من باب المستأنف ، كما أنّ