ثمّ قد لا نعرف وجه دلالتها على المعنى المسمّى ، فتعبّدنا بذكرها ولم نتعبّد بمعرفة معانيها .
وروى أبو الجوزاء عن ابن عبّاس : إنّها أقسام أقسم اللّه تعالى بها ولكلّ قسم جواب ، وجواب هذا القسم :
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ،
وهو قول عكرمة والكلبي ؛ وإنّما أقسم اللّه تعالى بها ، لأنّها مباني كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة ، ومباني أسمائه الحسنى ، ومنها تركيب الكلمات والآيات ، وبها يميّز الإنسان من سائر الحيوانات ؛ والتقدير فيه : إنّي أقسم أنّ ذلك الكتاب ( 45 آ ) لا ريب فيه أو أقسم بالقرآن أنّه كلامي وكتابي .
وقال قتادة وابن جريج وابن أبي نجيح عن مجاهد : إنّها أسماء القرآن كالفرقان والذكر .
وقال الحسن وزيد بن أسلم : إنّها أسماء السور ؛ وهو اختيار القفّال ، قال : وقد يتّفق شعار سورتين وأكثر مثل
حم
فزاد في التعريف بأن يقال : ألم البقرة ، أو ذلك ، وألم اللّه .
المعاني المبهمة
وأمّا الطريق الثاني فهي : أنّها ليست أسماء تامّة ، بل هي حروف مقطّعة دلّت على معان مختلفة . ثمّ هل تعرف معانيها أم لا ؟ فقال عليّ - رضي اللّه عنه - وجماعة الصحابة : إنّ لكلّ كتاب أنزله اللّه تعالى على نبيّ من الأنبياء - عليهم السلام - صفوة ، وصفوة اللّه من القرآن حروف التهجّي التي هي على أوائل السور . 415
وقال الشعبي : للّه تعالى في كلّ كتاب سرّ ، وسرّه في القرآن الحروف المفردة مثل ألم وألر .
وروى أبو ظبيان عن ابن عبّاس أنّه قال : عجزت العلماء عن أن يعلموا الحروف التي في أوائل السور .
وعن جابر بن عبد اللّه قال : مرّ أبو ياسر بن أخطب برسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وهو يتلو سورة البقرة ، فأتى أخاه حيي بن أخطب قال : لقد سمعت محمّدا يتلو فيما أنزل اللّه عليه
ألم ذلِكَ الْكِتابُ
فمشى حيي وأبو ياسر في نفر من اليهود إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقالوا : يا محمّد ! ألم تذكر لنا أنّك تتلو فيما أنزل اللّه عليك « ألم » ؟ قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بلى . قال لمن كان معه : الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون ؛ فهذه