وكان لا يدرى أيضا معنى قوله تعالى :
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ
« 1 » حتى سمع بنت ذي يزن تقول لزوجها : « تعال أفاتحك » : أي أحاكمك .
ويحكى عكرمة عن ابن عباس ، أنه قال : « كلّ القرآن أعلمه إلّا أربعا :
غِسْلِينٍ
« 2 » ، و
حَناناً
« 3 » ؛ و
أَوَّاهٌ
« 4 » ؛ و
الرَّقِيمِ
« 5 » » ، وهذا قليل من كثير .
* * * ومضى العصر الأوّل . . . وتلاه عصر آخر ؛ عصر تقعيد القواعد ، واستنباط الأحكام الشّرعيّة ؛ وظهرت للعرب ثقافات جديدة ، ومفاهيم حديثة للحياة الجديدة في الإسلام والمسلمين ، بعد أن فتح اللّه عليهم الأمصار والأقطار من قرطبة في أقصى المغرب إلى سمرقند في أقصى المشرق ؛ فانفسحت الآفاق أمام العقليّة العربيّة ؛ فنبغوا في كثير من العلوم والفنون ، وفي مقدّمتها العلوم الإسلامية ؛ وأشهرها علوم : الحديث والتفسير ، وعلوم البيان والبديع ، والفقه وأصوله ، وكلّها علوم تدور في فلك القرآن ، وتنضح من معينه .
وكما أشرنا سابقا بأنّ الصّحابة قد اهتمّوا بالقرآن الكريم اهتماما يلائم مكانة القرآن ، فإنّ من أتى بعدهم لم يقصر في هذا الشّأو ؛ فيقول العلّامة ابن خلدون في مقدّمته المشهورة :
« وأمّا التفسير فاعلم أنّ القرآن نزل بلغة العرب ، وعلى أساليب بلاغتهم ، فكانوا كلّهم يفهمونه ، ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه ، وكان ينزل جملا جملا ، وآيات آيات ؛ لبيان التوحيد والفروض الدّينيّة بحسب الوقائع ؛ ومنها ما هو في العقائد الإيمانيّة ؛
هامش
( 1 ) سورة الأعراف / 89 .
( 2 ) سورة الحاقة / 36 .
( 3 ) سورة مريم / 13 .
( 4 ) سورة هود / 75 .
( 5 ) سورة الكهف / 9 .