تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درج الدرر في تفسير القرآن العظيم — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
ذلك ، وقال : يا معشر الروم ، هل لكم في الفلاح والرشد آخر الأبد ، وأن يثبت لكم ملككم . قال : فحاصوا حيصة حمر « 1 » الوحش إلى الأبواب ، فوجدوها قد غلّقت ، فقال هرقل : عليّ بهم ، فرجعوا إليه ، فألان لهم القول ، وألطف لهم ، وقال : إنّما اختبرت شدّتكم على دينكم ، فقد رأيت الذي أحببت ، فسجدوا له ، ورضوا عنه . « 2 » قيل : لّما بلغ رسول اللّه خبره قال : ضنّ الخبيث بملكه . « 3 » وأمّا كسرى فذكر الخرداد بهمن وغيره : أنّه لّما بلغه الكتاب أمر بأن « 4 » يفتح ، ويقرأ عليه ، فإذا فيه : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من محمد رسول اللّه إلى كسرى عظيم فارس ، سلام على من اتّبع الهدى ، وآمن باللّه واليوم الآخر ، وشهد « 5 » أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأنّ محمدا عبده ورسوله ، أدعوك إلى اللّه ، فإنّي أنا رسول اللّه إلى الناس كافّة ، لأنذر من كان حيّا ، ويحقّ القول على الكافرين ، فأسلم تسلم ، فإن أبيت فعليك إثم المجوس ، والسّلام . فلمّا قرئ عليه الكتاب ورم أنفه ، وامتلأ غيظا ، فأطرق على سريره محتنقا بحنقه ، منتفخة أوداجه ، يدير حدقتيه في حماليقه ساعة طويلة ، ثم رفع رأسه ، وقال : ليس هذا بأوّل عبد اجترأ على ربّه وسيّده ، وإنّما قال : هذه المقالة لاستيلائه على اليمن دار مملكة العرب ، ولسجود النّعمان بن المنذر ملك الحيرة بين يديه ولاعتقاده أنّه ملك الملوك والأقاليم كلّها ، وأنّه خذايكان « 6 » الأرض ، فاغترّ بسلطانه وعلوّه ، وأصرّ على طغيانه ، وأمر كاتبه بأن يكتب إلى مرزبان اليمن ، والمرزبان بلغتهم : الوالي ، واسمه باذان مهريبداد ، أنّ عبدا لي بالحجاز اسمه محمد كتب إليّ يأمرني أن أترك ديني ، وأتّبع دينه ، فإذا أتاك كتابي هذا فابعث إليه رجلين جلدين ممّن معك ليأتيا به مربوطا مشدودا ، فإن أبى فليأتيا في رأسه ، وأمر أن يكتب إلى رسول اللّه : أن اشخص إلينا لننظر في أمرك ، فرجع حذافة [ إلى ] « 7 » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأخبره بالقصة ، وذكر أنّه أمر بالكتاب ، وكان من أديم ، أن يمزّق ، ويرقع به دلو البئر ، فقال عليه السّلام : إنّما مزّق ملكه ، ثمّ إنّ باذان لّما بلغه كتاب صاحبه بعث إلى النبيّ عليه السّلام ( 217 ظ ) أشخاصين من قوّاده ، وكانا رجلين عاقلين ، اسم أحدهما بابويه ، واسم الآخر خورخسرة ، وأمرهما أن يحذرا سطوة ملك الملوك لئلا يشتغل بالممانعة ، فأتيا رسول اللّه ، وأدّيا الرسالة ، فأمر عليهم بإنزال الرسولين ، وأكرمهما ، ثمّ دعاهما
هامش
( 1 ) الأصل وك وأ : الحمر . ( 2 ) ينظر : صحيح مسلم ( 1773 ) ، وصحيح ابن حبان ( 6555 ) . ( 3 ) ينظر : الطبقات الكبرى 1 / 258 ، ونصب الراية لأحاديث الهداية 6 / 564 . ( 4 ) ك : أن . ( 5 ) أ : وأشهد . ( 6 ) هكذا في الأصول المخطوطة ، ولعلها : أخذ أركان الأرض . ( 7 ) زيادة يقتضيها السياق .
درج الدرر في تفسير القرآن العظيم — صفحة 303 | عبد القاهر الجرجاني / طلعت صلاح الفرحات / محمد أديب شكور