إن سورة العلق نفسها توحي لنا بالموضوعات الكبرى للوحي ولكيفية التركيبة اللغوية ( أو التمفصل اللغوي ) لخطابه . فاللّه يتبدّى وكأنه الذات الفاعلة الأساسية . فهو الذي ينظّم نحويا ، وبلاغيا ، ومعنويا الخطاب كله . ولكن يوجد هناك فاعلان أو لاعبان اثنان في الساحة : الأول هو النبي الذي وجّه إليه الأمر ، والثاني هو الانسان الذي يمثّل الهدف النهائي أو المخاطب الأخير الذي وجّهت إليه المبادرات أو الأوامر والوصايا المعبّر عنها في القرآن بواسطة العديد من الأفعال . إن البنية النحوية أو القواعدية للسورة تدلّ على العلاقات الكائنة بين الضمائر الشخصية : أي بين نحن ، لك أو خاصتك ( محمد ) ، أنتم ( أي المؤمنين ) ، هم ( أي الناس ) ، أو هو ( أي الانسان ) . إن شبكة الضمائر هذه والعلاقات الكائنة بينها هي التي تؤسّس الفضاء الأساسي المتواصل والمنتظم للتواصل والمعنى في كل الخطاب القرآني من أوله إلى آخره .
إنّ كل القصص ، والأحكام أو المعايير ، والموضوعات ، والمجادلات ، والايضاحات ، والتعاليم ، والأحداث المعبّر عنها خلال عشرين سنة بصفتها كلام اللّه مركّبة نحويا من خلال مراتبية هرمية صارمة تدور حول شخصين : الأول هو اللّه الذي يمثل الأصل الانطولوجي والمرجع النهائي لجميع المخلوقات ، والنشاطات ، والمعاني ، والأحداث التي تقع على هذه الأرض ؛ والثاني هو النبي أو الرسول محمد الذي يمثّل الوسيط بين اللّه والانسان . أما الانسان فهو المخلوق الذي اصطفاه اللّه . وهو مدعو لأن يخضع أو يسلّم حياته إلى اللّه . ونلاحظ عندما نتمعّن في الخطاب القرآني أنه يوجد توتر دائم بين اللّه ( المعبّر عنه بالضمير « نحن » ) وبين الانسان / أو الناس ( المعبّر عنهما بالضميرين « هو » ، « هم » ) . والمقصود بالوحي أن يقود الانسان ويهديه إلى الصراط المستقيم أو « النهج القويم » الذي يقود في النهاية إلى النجاة الأبدية في الدار الآخرة . أما أولئك الذين يواجهون اللّه بالعصيان أو التمرد فقد وجّه إليهم الخطاب عن طريق ضمير الغائب لكي يرعووا أو يفهموا بشكل أفضل مكانتهم ومصيرهم المحدد . إن هذا الوضع لا يعبّر عن تعارض ثنائي بين قطبين ، وإنما عن جدلية مستمرة من التوتر الصراعي الذي ينبثق من خلاله الوعي بالذنب والخطيئة . وعندئذ يحوّل الانسان إلى وعي ، وذات مفكرة مسؤولة أخلاقيا وشرعيا . إنه مسؤول عن كل فكرة ، أو كل عمل ، أو كل مبادرة تصدر عنه في حياته .
ينبغي أن نضيف إلى التحليل النحوي ( أو القواعدي ) ثلاثة جوانب كبرى من الخطاب القرآني . وهذه الجوانب هي : 1 ) تركيبته المجازية ؛ 2 ) بنيته السيميائية أو
هامش
- باريس عام 1982 ، ثم في تونس في طبعة ثانية عام 1990 :deparlerPeut - on) ) :M . Arkoun e2 ؛ 1982 ،LaroseetMaisonneuve،Paris، .lered،CoranduLectures:in( ( ؟Coranledansmerveilleux. 1990 ،Tunis، .. ed