اللاهوتية . وهذه المسلمات سوف تؤدي إلى عمل هائل من تضخيم العبارات القرآنية ، وأسطرتها « * » ، والتعالي بها . ولكن يبقى صحيحا القول إن كل واحد من هذه المبادئ الأربعة التي سوف نستعرضها له قاعدة لغوية واضحة وصريحة في القرآن ذاته .
ينصّ المبدأ الأول على ما يلي : إنّ كلّية النصّ القرآني المجموع بين دفتي المصحف هي كلام اللّه الموجّه إلى النبي شخصيا أو إلى المخلوقات المتعدّدة عن طريق النبي - الناقل .
تبتدئ سورة الكهف بالآية التالية :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً
. ويقول الطبري معلّقا :
« القول في تأويل قوله عزّ ذكره
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً
. قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره الحمد للّه الذي خصّ برسالته محمدا وانتخبه لبلاغها عنه فابتعثه إلى خلقه نبيا مرسلا وأنزل عليه كتابه قيما ولم يجعل له عوجا وعنى بقوله عز ذكره قيما ، معتدلا ، مستقيما . وقيل عنى به أنه قيّم على سائر الكتب يصدّقها ويحفظها » ( تفسير الطبري ، الجزء الخامس عشر ، ص 117 ) .
ينبغي أن نعلم أن آليّة اشتغال الخطاب القرآني حتى في وحداته السردية أو القصصية محكومة ببنية ثابتة للعلاقات بين الأشخاص أو الضمائر . فهناك أولا الناطق - المرسل هو :
اللّه . وهو يوجّه رسالة إلى مرسل له أول هو : محمد . وهو نفسه مبلّغ ، ولكنه ليس ناطقا - مؤلّفا . إنه مبلّغ للرسالة إلى مرسل له ثان هو : الكائنات البشرية أو البشر . وهذه الشبكة التواصلية يذكّرنا بها المفسّر الذي يقدّم لتفسير كل آية بالعبارة التالية : قال تعالى لنبيّه محمد . . .
إنّ الإكراه البنيوي لعلاقات الضمائر أو الأشخاص يمارس فعله بقوة هائلة إلى درجة أن مكانة الراوي بالقياس إلى مكانة المتكلّم - المؤلّف قد تعرّضت للنقاش غالبا . تقول الآية 25 من سورة الكهف :
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً
. ويعلّق الطبري على هذه الآية قائلا :
« اختلف أهل التأويل في معنى قوله : ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا .
فقال بعضهم ذلك خبر من اللّه تعالى ذكره عن أهل الكتاب أنهم يقولون ذلك كذلك .
واستشهدوا على صحة قولهم ذلك بقوله قل اللّه أعلم بما لبثوا . وقالوا لو كان ذلك خبرا من اللّه عن قدر لبثهم في الكهف لم يكن لقوله قل اللّه أعلم بما لبثوا وجه مفهوم » ( تفسير الطبري ، الجزء الخامس عشر ، ص 141 ) .
وأما المبدأ الثاني الناتج عن السابق فيقول بأن القرآن ليس وثيقة كبقية الوثائق التي
هامش
* المقصود بالأسطرة : تضخيم العبارات القرآنية على يد المفسّرين الأوائل ورفعها إلى مرتبة التعالي المقدس لكي تفقد كل صفة تاريخية أو كل علاقة بالظروف التاريخية التي ظهرت فيها .