المعتدلة التي تتجسّد من خلال بذل الجهد من أجل إضفاء المشروعية على السلطة العباسية وتسفيه موقف الأمويين والتشيّع السياسي أو المسيّس في آن معا . وهذا ما يفسّر لنا سبب إلحاحه على التوفيق بين مختلف نسخ النص القرآني ( أي القراءات ) ، ثم تفسير الآيات بعبارات تشبهها وبلغة سهلة وواضحة ، ثم حسم المسائل المختلف عليها بحذر مدروس أو محسوب . وبفضل هذه المجريات التوضيحية والتوفيقية في آن معا ، فرضت شروحات الطبري نفسها على التراث التفسيري بكل قوة وديمومة إلى حد أنها كسفت التيارات والمواقف الأخرى التي لم تكرّس في الأصل - النموذج إلّا قليلا ، أو حتى لم تكرّس على الإطلاق .
وهذا التأثير المؤكّد والمسلّم به نجده حتى لدى عالم كبير كفخر الدين الرازي . فهو أيضا ألّف تفسيرا ضخما للقرآن . وتفسير الرازي يشهد على عمق ديني وثقافة علمية وفلسفية قلّ نظيرها . وهكذا يضيف إلى التفسيرات « الأرثوذكسية » لسلفه الطبري حرصه على إقامة التماسك والتوافق بين الخطاب القرآني وتعاليم العلوم الفلسفية والعلمية التي كانت تحتلّ مكانة كبيرة في الثقافة العربية في القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي . وبهذا المعنى ، فإن الرازي أصبح مؤسّسا لتيار آخر في التفسير غير التي ذكرناها سابقا . وهو التيار الذي عرف منذ القرن التاسع عشر انتعاشا تحت اسم التوفيقية « 1 » .
والآن دعونا نطرح هذا السؤال : كيف « قرأ » هذان المؤلّفان - أي الطبري وفخر الدين الرازي - سورة الكهف ؟ كيف فهماها وشرحاها ؟ وما هي المبادئ النظرية التي تتحكّم بتفسير كلّ منهما ، والمجريات التي اتبعاها لعرض موقفيهما ، والنتائج التي توصلا إليها ؟
المبادئ
إنّ المبادئ التي سنتحدث عنها ليست مسلّمات تعسفية مفروضة من الخارج على الخطاب القرآني ، وإنما تشكّل الهيكلية المنطقية - المعنوية المسجلة داخل الصيغة اللغوية لهذا الخطاب . لا ريب في أن هذه الهيكلية تمارس فعلها كمجموعة من المسلّمات
هامش
- فإننا نستطيع أن نكوّن فكرة ما عن منهجية الطبري . أما شرح سورة الكهف فيجده القارئ في الجزءين الخامس عشر والسادس عشر من طبعة بولاق العتيقة التي تعود إلى عام 1905 .
( 1 ) من عبد الرحمن الكواكبي ( 1849 - 1902 ) إلى معاصرنا الدكتور مصطفى محمود نجد أن لائحة الكتّاب العرب أو المسلمين طويلة جدا . أقصد لائحة الكتّاب الذين « يبرهنون » على أن الاكتشافات العلمية الحديثة موجودة كلها في القرآن ! ومؤخرا حظي طبيب فرنسي بنجاح كبير في المكتبات عندما لعب على هذا الوتر الحسّاس جدا لدى الجمهور المسلم . انظر كتابه : التوراة والإنجيل والقرآن والعلم :
. 1976 ،Seghers،Paris،sciencelaetCoranle،BibleLa:M . Busaille