نمتلك تسمية أفضل فإننا سندعوه بالبروتوكول الألسني النقدي . وسوف تكون قراءتنا ألسنية أو لغوية أولا لأنها تهدف ، بقدر الإمكان ، إلى تبيان القيم اللغوية المحضة للنصّ . ولكنها ستكون نقدية أيضا بمعنى أن كل ما سنقوله لن تكون له إلّا قيمة استكشافية أو افتراضية في نظرنا . في الواقع إننا لن نفضّل أية مدرسة ألسنية على غيرها . ومن المعلوم أن مدارس علم الألسنيات هي الآن في طور التشكّل والبلورة . وسوف نترك المسائل الأساسية مفتوحة ، وهي المسائل التي تقرر مصير مضمون كل قراءة وتوجّهها . ونقصد بها مسألة العلامة
Signe
، ومسألة الرمز
Symbole
، ومسألة الذات
sujet
Le
، ومسألة العلاقة بين اللغة - الفكر - التاريخ . . . إلخ . فنحن نعتقد أن القرآن ، مثله في ذلك مثل التوراة والأناجيل ، عبارة عن نصوص ينبغي أن تقرأ من خلال روح البحث والتساؤل ، لأنها يمكن أن تحبّذ حصول التقدم الحاسم في ما يخصّ معرفة الإنسان .
قبل أن نشرع بقراءتنا الخاصة لسورة الفاتحة ، فإنه يبدو لنا مفيدا أن نذكّر بالمبادئ التي تتحكّم بالقراءة التفسيرية ، وتلك التي تتحكّم بالقراءة الألسنية النقدية . وبعدئذ يستطيع القارئ أن يقيس بشكل أفضل ضرورة إعادة القراءة ووعودها ، أو الخير العميم الناتج عنها .
إنّ المبادئ التي تتحكّم بالقراءة التفسيرية الكلاسيكية تمارس دورها أو فعلها كمسلّمات ضمنية أو صريحة « * » . ويبلغ عددها ثمانية مبادئ :
1 - اللّه موجود . إنه هو الذي هو . ولا أستطيع أن أتحدّث عنه بشكل مطابق أو صحيح إلّا من خلال الكلمات التي اختارها هو نفسه واستخدمها في كلامه .
2 - لقد تكلّم إلى جميع البشر باللغة العربية لآخر مرة ومن خلال محمد ( أو بواسطته ) .
3 - لقد استقبل كلامه أو جمع في مدونة صحيحة موثوقة هي : القرآن .
4 - إنّ كلامه يقول كل شيء عن كينونتي أو وجودي ، وعن كينونة العالم أو وجوده ، وعن وضعي في العالم ، وعن موجودي ، وقدري ، ومصيري . . . إلخ . ولا يمكنني أن أرفضه في أي شيء ، ولا في أية لحظة .
هامش
* هذه المسلّمات العليا هي التي تتحكم بالفكر الإسلامي منذ أن كان قد وجد وحتى اليوم . وهي تتخذ طابع التقديس والمعصومية . بمعنى أنها لا تناقش ولا تمس ، وإنما تقبل بشكل إيماني وتسليمي كامل . إنها تشكّل ما يدعوه ميشيل فوكو بالإبستميةepisteme، أي نظام الفكر الذي يهيمن على فترة معيّنة وثقافة معينة . كما أنها تشكّل النموذج المثالي الأعلى الذي يهيمن على الفكر العربي منذ ظهور القرآن ، وهو ما يدعوه العالم الإبستمولوجي الأمريكي توماس كون بالباراديغم. Paradigmوالمقصود بالباراديغم النظرية التي تمثّل الحقيقة المطلقة والتي تسيطر على البشرية فترة قد تطول أو تقصر .
نضرب مثلا على ذلك نظرية أرسطو ( أو باراديغم أرسطو ) الذي سيطر على البشرية طيلة ألفي سنة قبل أن ينهار على يد ديكارت وغاليليو .