فأما أن تحمل الآية على أنه تعالى جعلهم كذلك بأن حمّلهم الرسالة ، فهذا صحيح عندنا ، ويمكن معه « 1 » حمل الكلام على الظاهر ، ولذلك قال :
يَهْدُونَ بِأَمْرِنا
فنبّه على هذا الوجه الآخر .
479 - وقوله تعالى من قبل :
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ
[ 72 ] يجب أن يحمل على ما ذكرناه ، وإن لم يمتنع أن يقال :
إنه تعالى جعلهم في الحقيقة صالحين في خلقتهم وأحوالهم ، ويكون ذلك من خلقه تعالى .
ولا يمتنع أن يراد بكل ذلك أنه تعالى أخبر بذلك وحكم به ، وذلك بالعادة والتعارف صار كالحقيقة ، ألا ترى أن الرجل يقول فيمن يخبر عن غيره بأنه سارق أو لص : قد جعلتني سارقا لصا ، إذا كان لقوله تأثير في هذا الباب ، فلما أخبر تعالى من حالهم ، بما ذكرنا ، جاز أن يضاف إليه على هذا الحد من الإضافة .
480 - مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه قد يفهم بعض المؤمنين والأنبياء الصواب ، ويضلّ عنه غيره فقال :
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ
[ 88 ] .
والجواب عن ذلك : أن ظاهره ليس إلا أنهما حكما في القضية المذكورة ، وأنه تعالى عالم بحكمهما ، وأنه فهّم سليمان . ولا يدل شيء من ذلك على ما ظنه القوم ؛ لأنه ليس في تخصيصه سليمان بالذكر دلالة على أنه لم يفهم داود ولم يدله على الحق ، ولو صح أنه ذهب في القضية عن الصواب كان ذلك لا يدل على أنه تعالى أضله ، لأن مع البيان قد يجوز أن لا يتبين المكلف على بعض الوجوه .
هامش
( 1 ) ساقطة من ف .