وإنما بعث عز وجل المكلّف بهذا الخطاب على أن يقصد بالعبادة طاعته والخضوع له والتقرب إليه ، ولا تعتبر الأماكن في هذا الباب . ونبه به على أن القبلة لا مدخل لها في صحة الصلاة ، وأنه متى اجتهد فصلى إلى أي جهة كان ، فهو مؤد لما كلف « 1 » ، مستحق للثواب عليه .
51 - مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن كلامه قديم فقال :
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ 117 ] فلو كان محدثا لكان من جملة الأمر الذي قضاه وكان يجب أن يقول له :
كن « 2 » ، حتى يؤدى ذلك إلا ما لا نهاية له ، وبطلان ذلك يوجب أنه قديم .
وإذا صح في بعض كلامه ذلك ، صح مثله في سائره « 3 » .
والجواب عن ذلك : أن ظاهر قوله :
وَإِذا قَضى أَمْراً
لا يدل على الخلق ؛ لأن القضاء إذا علق بالشيء قد يتصرّف على وجوه ، فمن أين التعلق بالظاهر ؟ .
وبعد ، فإن حقيقة « الأمر » هو قول القائل لغيره : افعل ، وإنما يستعمل في سائر الأفعال توسعا ، فإن تعلقوا بالظاهر فإنه يدل على أنه محدث القول الذي
هامش
( 1 ) د : كلف به .
( 2 ) د : كن فيكون .
( 3 ) أول ما استدل به الأشعري في كتابه « اللمع » على أن القرآن كلام اللّه غير مخلوق ، قوله تعالى في سورة النمل - الآية 40 - :( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ). وقد عرض القاضي رحمه اللّه لاستدلاهم بمثل هذه الآيات في الجزء الخاص بخلق القرآن من كتابه « المغنى » في ضمن أدلة متعددة لهم ، أوردها في باب شبههم في هذا الموضوع ، وجاء استدلالهم بهذه الآيات في الشبهة الخامسة ، وقد توسع هناك في نقاشهم ونقض استدلالهم . انظر اللمع بتصحيح الدكتور حمود غرابة / مصر 1955 ، ص 33 فما بعدها .
المغنى في أبواب التوحيد والعدل : 7 / 165 - 175 .