والجواب عن ذلك ، أن الاستواء محتمل في اللغة « 1 » ، وتختلف مواقعه بحسب ما يتصل به من القول : - فقد يراد به الاستيلاء والاقتدار ، وهو الذي عناه الشاعر بقوله :
قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق « 2 »
وإنما أراد أن بشر بن مروان استولى على العراق واقتدر عليها وعلا وظهر ؛ لأنه لا يجوز أن يمدحه بأنه جالس في موضع بالعراق ! ولأنه لو أراد المكان لذكر موضعا مخصوصا ؛ لأن كل العراق لا يكون مكانا لاستوائه ، وقد يقول الفصيح : قد استوى لفلان هذه المملكة واستوى له هذا الأمر .
وقد يراد بالاستواء تساوى الأجزاء المؤلفة . وذلك نحو قولهم استوى الحائط ، واستوت الخشبة : إذا تألفت على وجه مخصوص .
وقد يستعمل ذلك بمعنى القصد « فيقال : استويت على هذا الأمر واستقام
هامش
( 1 ) قال أبو جعفر الطبري : ( الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه : منها : انتهاء شباب الرجل وقوته ، فيقال إذا صار كذلك : قد استوى الرجل .
ومنها : استقامة ما كان فيه أود من الأمور والأسباب ، يقال منه : استوى لفلان أمره ، إذا استقام له بعد أود . ومنه قول الطرمّاح بن حكيم :طال على رسم مهدد أبده * وعفا واستوى به بلدهيعنى : استقام به .
ومنها : الاقبال على الشيء بالفعل ، كما يقال : استوى فلان على فلان بما يكرهه ويسوؤه بعد الاحسان إليه .
ومنها : الاحتياز والاستيلاء ، كقولهم : استوى فلان على المملكة ، بمعنى : احتوى عليها وحازها .
ومنها : العلو والارتقاع ، كقول القائل . استوى فلان على سريره ، يعنى به : علوّه عليه .
انظر : جامع البيان : 1 / 191 - 192 طبع البابي 1373 .
( 2 ) هو بشر بن مروان أخو الخليفة الأموي عبد الملك ، ولى لأخيه إمرة العراقين ، وكان يجيز على الشعر بألوف ، وقد امتدحه الفرزدق والأخطل ، توفى بالبصرة سنة 74 . والبيت للأخطل يمدحه فيه . البداية والنهاية لابن كثير : 9 / 7 .