تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
وأسقط عنه كلفة الاستعجال بترداد تلاوته ، والمسابقة إلى تلاوة كلّ ما يسمعه منه ؛ تخفيفا عنه وترفيها له ، وأكّدوا ذلك بقوله تعالى :
فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
أي إذا انتهينا إلى غاية ما تريد إنزاله في تلك الحال ، فحينئذ اتّبع قراءة ذلك وتلاوته ، فلم يبق منه ما ينتظر في الحال نزوله . والوجه الآخر أنهم قالوا : إنّما نهى النبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم عن تلاوة القرآن على أمّته وأداء ما يسمعه منه إليهم ، قبل أن يوحى اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم ببيانه ، والإيضاح عن معناه وتأويله ؛ لأنّ تلاوته على من لا يفهم معناه ، ولا يعرف مغزاه لا تحسن . قالوا : ومعنى قوله :
مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ
المراد به : قبل أن يقضي إليك وحي بيانه ، وتفسير معناه ؛ لأنّ لفظة « القضاء » وإن كانت على وجوه معروفة في اللغة ، فهي هاهنا بمعنى الفراغ والانتهاء إلى الغاية ؛ كما قال تعالى :
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ
« 1 » . وكما قال الشاعر :
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة * ومسّح بالأركان من هو ماسح « 2 »
أي فرغنا من حاجاتنا ، وانتهينا إلى غاية الوطر منها . فأمّا الجواب الثالث الزائد على ما ذكر : فهو أنّه غير ممتنع أن يريد : لا تعجل بأن تستدعي من القرآن ما لم يوح إليك به ؛ فإنّ اللّه تعالى إذا علم مصلحة في إنزال القرآن عليك أمر بإنزاله ، ولم يدّخره عنك ؛ لأنّه لا يدخّر عن عباده الاطّلاع لهم على مصالحهم . فإن قيل على هذا الوجه : إنّه يخالف الظاهر ؛ لأنّه تعالى قال :
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ
ولم يقل بطلبه واستدعائه ، والظاهر يقتضي أنّ الاستعجال بنفس القرآن لا بغيره . قلنا : الأمر على ما ظنّه السائل . وعلى الوجوه الثلاثة في تأويل الآية لا بدّ من تقدير ما ليس في الظاهر ؛ لأنّ على الوجهين الأولين المذكورين لا بدّ من أن
هامش
( 1 ) سورة فصلت ، الآية : 12 . ( 2 ) البيت ينسب لكثير ؛ وانظر الجزء الأول .