تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
إليه ، ولا يجوز أن يراد بالأوّل والثاني العمى عن المعرفة والإيمان ، لا على طريقة المبالغة والتعجّب ولا على غير ذلك ؛ لأنّا نعلم أنّ الجهّال باللّه تعالى ، المعرضين في الدنيا عن معرفته لا يجوز أن يكون في الآخرة كذلك ؛ فضلا أن يكونوا على أبلغ من هذه الحالة لأنّ المعارف في الآخرة ضرورية ، يشترك فيها جميع الناس ، فلم يبق بعد الذي أبطلناه إلّا ما دخل في الأجوبة . وعلى الأجوبة الثلاثة الأول إذا أريد بأعمى الثانية المبالغة والتعجب كان في موضعه ؛ لأنّ عمى القلب وضلاله يتعجّب منه بلفظة « أفعل » وإن لم يجر ذلك في عمى الجارحة . ولمن أجاب بالجواب الرابع أن لا يجعل قوله تعالى :
فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى
لفظة تعجّب ، بل يجعله إخبارا عن عماه من غير تعجّب ، وإن عطف عليه بقوله تعالى :
وَأَضَلُّ سَبِيلًا
ويكون تقدير الكلام : ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وهو أضلّ سبيلا . فإن قيل : ولم أنكرتم التعجب من الخلق بلفظة « أفعل » ؟ قلنا : قد قال النحويون في ذلك : إنّ الألوان والعيوب لا يتعجّب منها بلفظة التعجّب وإنّما يعدل فيها إلى أشدّ وأظهر وما جرى مجراهما ؛ قالوا : لأنّ العيوب والألوان قد ضارعت الأسماء ، وصارت خلقة كاليد والرّجل ونحو ذلك ، فلا يقال : ما أسوده وما أعوره ، كما لا يقال : ما أيداه وما أرجله ؛ ويقال : ما أشدّ سواده ! كما يقال : ما أشدّ يده ورجله ! واعتلّوا بعلّة أخرى ، قالوا : إن الفعل من الألوان والعيوب على « افعلّ » و « افعالّ » ، نحو أحمرّ وأعورّ وأحولّ وأحوالّ ، والتعجّب لا يدخل فيما زاد على ثلاثة أحرف من الأفعال ؛ ألا ترى أنّه لا يدخل في انطلق واستخرج ودحرج لزيادته على ثلاثة أحرف « 1 » ؟ فإن قيل لهم فقد قالوا : عورت عينه وحولت ، قالوا : هذا منقول من « افعلّ » وهو في الحكم زائد على ثلاثة أحرف ، يدلّ على ذلك صحّة الواو فيه ؛ كما
هامش
( 1 ) حاشية بعض النسخ : « إنّما امتنعت صورة التعجب في الرباعي ؛ لأن فعل التعجب يكون أبدا أربعة أحرف ؛ أحدها ألف النقل والثاني الفعل ؛ فإذا أدخلت على الرباعي لم يكن بدّ من طرح أحد الحروف ، ولا يمكن ذلك لأن كلها أصول فعلها ؛ إذن التعجب يختص الثلاثي فحسب » .