تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
فيه بين العلم والظنّ ، وكيف يكون كذلك وقد حمل جماعة من الصحابة الآية على الانتظار ، وليس هم ممّن يخفى عليه حقيقة الانتظار ، وقد قال اللّه تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ
« 1 » ، وإنّما أراد به الانتظار الذي يصاحب العلم لا محالة . وقد يمكن في الآية - على تسليم أنّ النظر فيها هو الرؤية - وجه آخر لا يفتقر فيه إلى تقدير محذوف يتعلّق بالرؤية ، إذا حملناه على الرؤية ، وإن حملنا النظر في الآية على الانتظار لم نحتج أيضا إلى تقدير محذوف ، وهو أن نحمل قوله :
إِلى رَبِّها
على أنّ المراد به نعمة ربّها ؛ لأنّ الآلاء « 2 » النعم ، وفي واحدها لغات أربع يقال : إلى مثل أنا وإلى مثل معي « 3 » ، إلى مثل إني « 4 » وإلى مثل حلى « 5 » . قال أعشى بكر بن وائل :
أبيض لا يرهب الهزال ، ولا * يقطع رحما ، ولا يخون إلا « 6 »
أراد لا يخون نعمة من أنعم عليه . وإنّما أسقط التنوين من
إِلى رَبِّها
للإضافة ، وهذا وجه قاطع للسيف « 7 » . وليس لأحد أن يطعن على هذا الوجه أنّه مبتدع لم يسبق إليه أحد من المفسّرين وأهل التأويل ! وذلك إنّ ما طريقه الاستنباط والاستخراج ، يجوز أن يقع للمتأخّر فيه ما لا يقع للمتقدّم ، وإن كان الوجه جائزا صحيحا لم يضرّه ألّا يسبق إليه . على أنّه غير مسلّم أنّه لم يسبق إليه ؛ لأنّ التأويلين المرويّين عن الصحابة
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 210 . ( 2 ) الآلاء معناها النعم ومفردها إلى . ( 3 ) الأمعاء جمع معدة . ( 4 ) الإني : واحد الإناء . ( 5 ) في الأصل : حسى . ( 6 ) ديوانه ، 155 ، لسان العرب ( إلى ) أبيض : كريم ، الهزال كناية عن قلّة ذات اليد ، وخيانة النعمة أن يبخل بها . ( 7 ) هكذا تقرأ الكلمة في الأصل .