تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
ما يصحّ أن يقصد به إلى الاستخبار عن جميع العقلاء مفترقين ومجتمعين إلّا لفظة « من » ، وهذه مزيّة بينة لها . على أنه لو ثبت بهذه الطريقة العموم لم يكن نافعا لهم في المقصود من الكلام في عموم الوعيد ؛ لأن الاستفهام لا يحسن دخوله في خطابه تعالى على وجه من الوجوه . وليس لهم أن يقولوا : متى ثبت عموم هذه اللفظة في الاستفهام ثبت عمومها في الشرط ؛ لأن ذلك دعوى بغير حجّة ، وقد أوجبوا عموم « من » إذا كانت نكرة في الشرط والجزاء ، ولم يوجبوا عمومها إذا كانت معرفة ، فألّا كانت عامّة في الاستفهام دون سائر المواضع . وأمّا الطريقة الثانية في الكلام على الآيات الّتي تعلقوا بها فبينة ؛ لأنا نعارضهم بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
« 1 » ، وبقوله تعالى :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ
« 2 » ، وبقوله تعالى :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
« 3 » . وبيان وجه الآية الأولى : أنه تعالى لم ينف غفران الشرك على كلّ الوجوه ، بل نفى أن يغفر تفضّلا ، فكأنه تعالى قال : إنّ اللّه تعالى لا يغفر أن يشرك به تفضلا بل استحقاقا ، فيجب المراد بقوله تعالى :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
أن يغفر بغير استحقاق وعلى جهة التفضّل ؛ لأن موضوع هذا الكلام الّذي يدخله النفي والإثبات وينضم إليه الأعلى والأدون أن يخالف الثاني الأوّل . ألا ترى لا يحسن أن يقول القائل : أنا لا أمضي إلى الأمير إلّا أن يدعوني وأمضي إلى من دونه إذا دعاني ، وإنّما يحسن أن يقول : وأمضي إلى من دونه وان لم يدعني ، وكذلك لا يجوز أن يقول : أنا لا أتفضّل بالكثير وأتفضّل باليسير . وهذا وجه ، ومن خالف فيه فهو مكابرة . ويمكن أن يعارضوا بهذه الآية على وجه آخر ، وهو أن لفظ « ما » يجب
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية : 48 . ( 2 ) سورة الرعد ، الآية : 6 . ( 3 ) سورة الزمر ، الآية : 53 .
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 300 | الشريف المرتضى / السيد مجتبى أحمد الموسوي