تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
كلّ مخاطب بهذه الألفاظ ؛ لأن من قال : « من دخل داري ضربته » ، يحسن أن يستفهم فيقال له : وان دخل فلان ، وكذلك إذا قال : « لقيت العلماء وأكرمت الشرفاء » يحسن أن يستفهم عن عموم كلامه أو خصوصه . ومعلوم أن لا يحسن إلّا مع اشتراك اللفظ واحتماله ؛ لأن من قال : « لقيت رجلا » ، و « ابتعت فرسا » لا يحسن استفهامه عن مراده لاختصاص اللفظ ، ولو قال : « رأيت عينا » و « شاهدت شيئا » لحسن الاستفهام للاحتمال ، ومن دفع حسن الاستفهام في الألفاظ الّتي ذكرناها كان دافعا لمعلوم ، ودفع حسن الاستفهام في كلّ لفظ مشترك . وليس لأحد أن يدّعي أن وجه حسن الاستفهام لتجويز أن يكون المخاطب أراد المجاز ، وذلك أن صحّة هذه العلّة تقتضي حسن الاستفهام في كلّ خطاب ، لأنه ما من لفظ من ألفاظ العربية إلّا ويمكن فيه المجاز ، وقد علمنا قبح الاستفهام في مواضع كثيرة ، فعلم أن العلّة ما ذكرناه . وبعد ، فإن المخاطب إذا كان حكيما وعدل عن الحقيقة في خطابه إلى المجاز فلا بدّ من أن يدلّ من يخاطبه على ذلك ، فلا معنى لاستفهامه مع فقد دلالة المجاز . فإن عارضوا بحسن استفهام من قال : « ضربت أبي » ؛ لأنه يحسن أن يقال له : « أباك » ويحسن استفهام من قال : « صمت شهرا » و « دفعت إلى فلان عشرة » ؛ لأنه يحسن أن يقال له : « أصمت شهرا كاملا أو ناقصا » ، وكذلك في العشرة . فالجواب : أن الاستفهام إنّما هو طلب الفهم والمعرفة ، ولا يحسن على هذا الوجه إلّا مع اشتراك في اللفظ واحتماله ، وقول القائل : « أباك » ليس باستفهام ، وإنّما هو استعظام واستكبار ، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول له مصرّحا : « أضربت أباك أم لم تضربه » ، كما يحسن أن يصرّح مع سمع قول القائل : « ضربت غلماني » ، فيقول : « أضربت جميعهم أم بعضهم » . فأمّا لفظ « شهر » فإنّه يقع حقيقة على ثلاثين يوما وعلى تسعة وعشرين يوما ، فكلّ أحد من أهل اللغة يسمّي الشهر الناقص شهرا كما يسمي الكامل بذلك ، والقول في العشرة كالقول في الشهر .