تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
وعليكم في هذه الآيات سؤال من وجه آخر وهو أنّ الملائكة لا تكذب فكيف قالوا : خصمان بغى بعضنا على بعض ؟ وكيف قال أحدهما : « إنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة » إلى آخر الآية ؟ ولم يكن من كلّ ذلك شيء ؟ الجواب : قلنا : نحن نجيب بمقتضى الآية ونبيّن أنّه لا دلالة في شيء منها على وقوع الخطأ من داود عليه السّلام ، فهو الّذي يحتاج إليه ، فأمّا الرواية المدّعاة ، فساقطة مردودة ، لتضمّنها خلاف ما يقتضيه العقول في الأنبياء عليهم السّلام ، قد طعن في رواتها بما هو معروف ، فلا حاجة بنا إلى ذكره . وأمّا قوله تعالى :
وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ
فالخصم مصدر لا يجمع ولا يثنّى ولا يؤنّث ، ثم قال :
إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ
فكنّى عنهم بكناية الجماعة ، وقيل في ذلك : إنّه إخراج الكلام على المعنى دون اللفظ ؛ لأنّ الخصمين ههنا كانا كالقبيلين أو الجنسين . وقيل : بل جمع ؛ لأنّ الاثنين أقلّ الجمع وأوّله ؛ لأنّ فيهما معنى الانضمام والاجتماع ، وقيل : بل كان مع هذين الخصمين غيرهما ممن يعينهما ويؤيدهما ؛ فإنّ العادة جارية فيمن يأتي باب السلطان بأن يحضر معه الشفعاء والمعاونون ، فأمّا خوفه منهما ؛ فلأنّه عليه السّلام كان خاليا بالعبادة في وقت لا يدخل عليه فيه أحد على مجرى عادته ، فراعه منهما أنّهما أتيا في غير وقت الدخول ، أو لأنّهما دخلا من غير المكان المعهود . وقولهما خصمان بغى بعضنا على بعض جرى على التقدير والتمثيل ، وهذا كلام مقطوع عن أوّله ، وتقديره : أرأيت لو كنّا كذلك واحتكمنا إليك ؟ ولا بدّ لكل واحد من الاضمار في هذه الآية وإلّا لم يصحّ الكلام ؛ لأنّ خصمان لا يجوز أن يبتدؤا به . وقال المفسّرون تقدير الكلام : « نحن خصمان » . قالوا : وهذا ممّا يضمره المتكلّم ويضمره المتكلّم له أيضا . فيقول المتكلّم : سامع مطيع ، أي أنا كذلك . ويقول القافلون من الحج : « آئبون تائبون لربنا حامدون » ، أي نحن كذلك . وقال الشاعر :
وقولا إذا جاوزتما أرض عامر * وجاوزتما الحيّين نهدا وخثعما
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 260 | الشريف المرتضى / السيد مجتبى أحمد الموسوي