تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
معنى خلقه لأفعال العباد أنّه مقدّر لها ، ومعرّف لنا مقاديرها ومراتبها وما به نستحقّ عليها من الجزاء . وليس يمتنع أن يقال : إنّه خالق للأعمال على هذا المعنى إذا ارتفع الابهام وفهم المراد ؛ فهذا كلّه تقتضيه الآية . ولو لم يكن في الآية شيء ممّا ذكرناه ممّا يوجب العدول عن حمل قوله :
وَما تَعْمَلُونَ
على خلق نفس الأعمال لوجب أن نعدل بها عن ذلك ، ونحملها على ما ذكرناه بالأدلة العقلية الدّالة على أنّه تعالى لا يجوز أن يكون خالقا لأعمالنا ، وإن تصرّفنا محدث بنا ، ولا فاعل له سوانا ؛ وكلّ هذا واضح بيّن « 1 » . [ الثاني : فان قيل : ] وظاهر هذا القول يقتضي انّه تعالى خلق أعمال العباد ، فما الوجه فيه وما عذر إبراهيم عليه السّلام في إطلاقه ؟ . الجواب : قلنا : من تأمّل هذه الآية حقّ التأمّل ، علم أنّ معناها بخلاف ما يظنّه المجبّرة ؛ لأنّ قوله تعالى خبر عن إبراهيم عليه السّلام بأنّه عيّر قومه بعبادة الأصنام واتخاذها آلهة من دون اللّه تعالى ، بقوله :
أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ
، وإنّما أراد المنحوت وما حمله النحت دون عملهم الّذي هو النحت ؛ لأنّ القوم لم يكونوا يعبدون النحت الّذي هو فعلهم في الأجسام ، وانّما كانوا يعبدون الأجسام أنفسها ثم قال :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
وهذا الكلام لا بد من أن يكون متعلّقا بالأول ومتضمنا لما يقتضي المنع من عبادة الأصنام ، ولا يكون بهذه الصفة إلّا والمراد بقوله :
وَما تَعْمَلُونَ
الأصنام الّتي كانوا ينحتونها ، فكأنّه تعالى قال : كيف تعبدون ما خلقه اللّه تعالى ، كما خلقكم . وليس لهم أن يقولوا : إنّ الكلام الثاني قد يتعلّق بالكلام الأوّل على خلاف ما قدّرتموه ؛ لأنّه إذا أراد انّ اللّه خلقكم وخلق أعمالكم ، فقد تعلّق الثاني بالأوّل ؛ لأنّ من خلقه اللّه لا يجوز أن يعبد غيره . وذلك أنّه لو أراد ما ظنّوه ، لكفى أن يقول اللّه تعالى :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ
. ويصير ما ضمّنه إلى ذلك من قوله :
وَما تَعْمَلُونَ
لغوا
هامش
( 1 ) الأمالي ، 2 : 203 .
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 255 | الشريف المرتضى / السيد مجتبى أحمد الموسوي