تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
قال : فالجواب عن ذلك إذا سلّمنا أنّ عيسى عليه السّلام بعث إليهم فإنّ الفترة إنّما كانت بينه وبين محمّد صلّى اللّه عليه واله وسلّم ، وأنّ الحواريين لم يمكثوا بعده إلّا قليلا ، وأنّ الآباء المذكورين بأنّهم لم ينذروا هم الأدنون دون الأبعدين . ولقائل أن يقول : إن عيسى عليه السّلام لم يبعث إلّا إلى بني إسرائيل خاصة دون العرب ؛ وبذلك نطق القرآن . وله أن يقول : إنّ الآباء الأبعدين والأدنين في الآية سواء . والذي يؤيّد ذلك قوله تعالى :
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ
« 1 » ؛ الآية إلى آخرها ، وقد صحّ بالجملة والتفصيل أنّ الآباء لم ينذروا ، وأنّ « ما » للنفي في موضعها من الآية دون الإثبات ؛ فكيف القول في الحجّة عليهم ؟ ولا يحتجّ محتج بأنّ العقل هو الحجّة عليهم دون الإنذار والرسل ؛ لأنّ العقل حجّة على من أنذر وعلى من لم ينذر ؛ وعليه معوّل الفلاسفة في الاستغناء عن الرسل والأنبياء عليهم السّلام . قلنا : الجواب عن ذلك . أنّه غير ممتنع عندنا أن يخلو الزمان الطويل والقصير من رسول مبعوث بشريعة ؛ وإن كان لا يخلو من إمام ؛ ولهذا يقول أصحابنا ؛ إنّ الإمامة واجبة في كلّ زمان ؛ وليست كذلك النبوّة . والوجه فيه أنّ إرسال الرسول تابع لما يعلمه اللّه من المصالح للمكلّفين في الشرائع والعبادات ؛ وغير بعيد في العقل أن يعلم تعالى أنّه لا شيء من الشرائع فيه مصلحة للمكلّفين ؛ فلا تجب الرّسالة بل لا تحسن . فأمّا قوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
، وقوله :
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
وقوله :
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ
؛ فيجوز أن يكون مخصوصا غير عامّ ؛ ويعنى به من الشرائع والعبادات من ألطافه ؛ فإن دلّ دليل قاطع على عموم هذه الظواهر قطعنا لأجله على أنّ الشرائع من ألطاف المكلّفين ؛ وإن كان جائزا في العقل ألّا يكون الأمر على ذلك .
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 19 .
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 242 | الشريف المرتضى / السيد مجتبى أحمد الموسوي