تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
مكلّفة ، فيكف تعتقد حقّا أو باطلا ! وإذا ورد أثر في ظاهره شيء من هذه المحالات ؛ إما اطّرح أو تؤوّل على المعنى الصحيح . وقد نهجنا طريق التأويل ، وبيّنا كيف التوصّل إليه . فأمّا حكايته تعالى عن سليمان عليه السّلام :
يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ
فالمراد به أنّه علّم ما يفهم به ما ينطق به الطير ؛ وتتداعى في أصواتها وأغراضها ومقاصدها ؛ بما يقع منها من صياح ؛ على سبيل المعجزة لسليمان عليه السّلام . فأمّا الحكاية عن النملة بأنّها قالت :
يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ
« 1 » فقد يجوز أن يكون المراد به أنّه ظهر منها دلالة القول على هذا المعنى ؛ وأشعرت باقي النمل ؛ وخوّفتهم من الضرر بالمقام ، وأنّ النجاة في الهرب إلى مساكنها ؛ فتكون إضافة القول إليه مجازا واستعارة ؛ كما قال الشاعر : وشكا إليّ بعبرة وتحمحم « 2 » وكما قال الآخر : وقالت له العينان سمعا وطاعة ويجوز أيضا أن يكون وقع من النملة كلام ذو حروف منظومة - كما يتكلّم أحدنا - يتضمّن المعاني المذكورة ، ويكون ذلك معجزة لسليمان عليه السّلام ؛ لأنّ اللّه تعالى سخّر له الطّير ، وأفهمه معاني أصواتها على سبيل المعجز له . وليس هذا بمنكر ؛ فإنّ النطق بمثل هذا الكلام المسموع منّا لا يمتنع وقوعه ممّن ليس بمكلّف ولا كامل العقل ؛ ألا ترى أنّ المجنون ومن لم يبلغ الكمال من الصبيان قد يتكلّمون بالكلام المتضمّن للأغراض ؛ وإن كان التكليف والكمال عنهم زائلين .
هامش
( 1 ) سورة النمل ، الآية : 18 . ( 2 ) لعنترة العبسي : من المعلقة ص 204 - بشرح التبريزي : فازورّ من وقع القنا بلبانه والتحمحم : صوت مقطع ليس بالصهيل .
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 178 | الشريف المرتضى / السيد مجتبى أحمد الموسوي