تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
ومعلوم أنّ المجاور لمن أكل الثوم يتأذّى برائحته شديدا ، فنهى النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم آكلها من دخول المساجد ؛ لئلا يؤذّي أهله والمصلّين فيه . وليس ينافي وصف هذا النبات بأنّه كريم وصفه بأنّه منتن الرائحة ؛ لأنّ معنى كريم أنّه دال على اللّه تعالى ، وأنّه لطف في مصالح كثيرة دينية ، وهذا المعنى لا ينافي نتن الريح . ألا ترى أنّ اللّه قد وصف كلّ ما خلقه بالحسن والتمام والاحكام ، وممّا خلق القرد والخنزير وكثير من الخلق الذي يستقذر ، وذلك لا ينافي الحسن والحكمة وإن نفر كثير من الطباع عنها . ويمكن وجه آخر : وهو أن يريد بقوله تعالى
كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ
الخصوص دون العموم . والوجه الأوّل أقوى « 1 » . -
وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لا يَتَّقُونَ ( 11 ) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 12 ) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ
( 13 ) [ الشعراء : 10 - 13 ] . فإن قيل : كيف جاز لموسى عليه السّلام وقد قال تعالى :
أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
أن يقول في الجواب :
إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 12 ) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ
( 13 ) وهذا استعفاء عن الرسالة . الجواب : أنّ ذلك ليس باستعفاء كما تضمّنه السؤال ، بل كان عليه السّلام قد أذن له في أن يسأل ضمّ أخيه في الرسالة إليه قبل هذا الوقت ، وضمنت له الإجابة ، ألا ترى إلى قوله تعالى :
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ( 9 ) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا
« 2 » إلى قوله :
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ( 29 ) هارُونَ
« 3 » فأجابه اللّه تعالى إلى مسألته بقوله :
قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى
« 4 » . وهذا يدلّ على أنّ ثقته بالإجابة إلى مسألته الّتي قد تقدّمت ، وكان مأذونا له فيها . فقال :
إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ
( 12 )
هامش
( 1 ) الرسائل ، 3 : 125 . ( 2 ) سورة طه ، الآيتان : 9 ، 10 . ( 3 ) سورة طه ، الآيتان : 29 - 30 . ( 4 ) سورة طه ، الآية : 36 .