تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
وقال تعالى :
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
« 1 » . أي يوسّع ويضيّق . وقال تعالى :
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ
« 2 » أي ضيّق . والتضييق الّذي قدره اللّه عليه هو ما لحقه من الحصول في بطن الحوت وما ناله في ذلك من المشقّة الشديدة إلى أن نجّاه اللّه تعالى منها . وأمّا قوله تعالى :
فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
فهو على سبيل الانقطاع إلى اللّه تعالى والخشوع له والخضوع بين يديه ؛ لأنّه لما دعاه لكشف ما امتحنه به وسأله أن ينجّيه من الظلمات الّتي هي ظلمة البحر وظلمة بطن الحوت وظلمة الليل ، فعل ما يفعله الخاضع الخاشع من الانقطاع والاعتراف بالتقصير . وليس لأحد أن يقول : كيف يعترف بأنّه كان من الظالمين ولم يقع منه ظلم ؟ وهل هذا إلّا الكذب بعينه ؟ وليس يجوز أن يكذب النبي عليه السّلام في حال خضوع ولا غيره ، وذلك أنّه يمكن أن يريد بقوله :
إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
أي من الجنس الّذي يقع منهم الظلم ، فيكون صدقا ، وإن ورد على سبيل الخضوع والخشوع ؛ لأنّ جنس البشر لا يمتنع منه وقوع الظلم . فإن قيل : فأيّ فايدة في أن يضيف نفسه إلى الجنس الذي يقع منهم الظلم إذا كان الظلم منتفيا عنه في نفسه ؟ قلنا : الفايدة في ذلك التطامن للّه تعالى والتخاضع ونفي التكبر والتجبر ؛ لأنّ من كان مجتهدا في رغبة إلى مالك قدير ، فلا بدّ من أن يتطأطأ [ له ] ، ويجتهد في الخضوع بين يديه ، ومن أكبر الخضوع أن يضيف نفسه إلى القبيل الذين يخطئون ويصيبون كما يقول الإنسان - إذا أراد أن يكسر نفسه وينفي عنها دواعي الكبر والخيلاء - : إنّما أنا من البشر ولست من الملائكة ، وأنا ممّن يخطئ ويصيب . وهو لا يريد إضافة الخطأ إلى نفسه في الحال ، بل يكون الفايدة ما ذكرناها .
هامش
( 1 ) سورة الرعد ، الآية : 26 . ( 2 ) سورة الفجر ، الآية : 16 .