تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 473

مساهمون:

ص٤٧٣
على أنّه لو كان للكلام ظاهر يقتضي خلاف ما ذكرناه - وإن كنا قد بيّنا أن الأمر بخلاف ذلك - لجاز أن نعدل عنه ونحمله على خلاف الظاهر ، للدليل العقلي الدالّ على تنزيه الأنبياء عليهم السّلام عن القبائح . فإن قيل : الكلام في قوله تعالى :
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها
خرج مخرجا واحدا . فلم جعلتم همّها به متعلقا بالقبح ؟ وهمّه بها متعلقا بالضرب والدفع على ما ذكرتم ؟ قلنا : أمّا الظاهر ، فلا يدلّ على الأمر الّذي تعلّق به الهمّ والعزم منهما جميعا ، وإنّما أثبتنا همّها به متعلّقا بالقبيح لشهادة الكتاب والآثار بذلك ، وهي ممّن يجوز عليها فعل القبيح ، ولم يؤمن دليل [ من امتناعه عليها ] « 1 » ، كما أمن ذلك فيه عليه السّلام ، والموضع الذي يشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى :
* وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
« 2 » وقوله تعالى :
وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ
« 3 » وقوله تعالى حاكيا عنها
الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ
« 4 » . وفي موضع آخر :
قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ
« 5 » . والآثار واردة بإطباق مفسري القرآن ومتأوليّه ، على أنّها همّت بالمعصية والفاحشة ، وأمّا هو عليه السّلام فقد تقدّم من الأدلة العقلية ما يدلّ على أنّه لا يجوز أن يفعل القبيح ولا يعزم عليه . وقد استقصينا ذلك في صدر هذا الكتاب « 6 » . فأمّا ما يدلّ من القرآن ، على أنّه عليه السّلام ما همّ بالفاحشة ولا عزم عليها فمواضع كثيرة : منها : قوله تعالى :
كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ
« 7 » . وقوله تعالى :
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
« 8 » . ولو كان الأمر كما قال
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفتين من الأمالي ، 1 : 454 . ( 2 ) سورة يوسف ، الآية : 30 . ( 3 ) سورة يوسف ، الآية : 23 . ( 4 ) سورة يوسف ، الآية : 51 . ( 5 ) سورة يوسف ، الآية : 32 . ( 6 ) تقدّم في المقدّمات . ( 7 ) سورة يوسف ، الآية : 24 . ( 8 ) سورة يوسف ، الآية : 52 .