تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
وليس لأحد أن يقول : لو كان عليه السّلام إنّما سأل الرؤية لقومه لم يضف السؤال إلى نفسه فيقول :
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
ولا كان الجواب مختصّا به ؛ وهو قوله تعالى :
لَنْ تَرانِي
، وذلك لأنّه غير ممتنع وقوع الإضافة على هذا الوجه ؛ مع أنّ المسألة كانت من أجل الغير ؛ إذ كانت هناك دلالة تؤمن من اللبس وتزيل الشبهة . فلهذا يقول أحدنا إذا شفع في حاجة غيره للمشفوع له : أسألك أن تفعل بي كذا ، وتجيبني إلى كذا . ويحسن أن يقول المشفوع إليه : قد أجبتك وشفّعتك ، وما جرى مجرى ذلك ؛ وإنّما حسن هذا لأنّ للسائل في المسألة غرضا ، وإن رجعت إلى الغير فتحقّقه بها وتكلّفه كتكلّفه إذا اختصّه ولم يتعدّه . فإن قيل ؛ كيف يجوز منه عليه السّلام مع علمه باستحالة الرؤية عليه تعالى أن يسأل فيها لقومه ! ولئن جاز ذلك ليجوزنّ أن يسأل لقومه سائر ما يستحيل عليه تعالى من كونه جسما ، وما أشبهه متى شكّوا فيه . قلنا : إنّما صحّ ما ذكرناه في الرؤية ولم يصحّ فيما سألت عنه ؛ لأنّ مع الشك في جواز الرؤية التي لا تقتضي كونه جسما يمكن معرفة السمع ، وأنّه تعالى صادق في أخباره ، فيصحّ أن يعرفوا بالجواب الوارد من جهته تعالى استحالة ما شكّوا في صحّته وجوازه ؛ ومع الشكّ في كونه جسما لا يصحّ معرفة السمع ، فلا يقع بجوابه انتفاع ولا علم . وقد قال بعض من تكلّم في هذه الآية : قد كان جائزا أن يسأل موسى عليه السّلام لقومه ما يعلم استحالته ؛ وإن كانت دلالة السمع لا تثبت قبل معرفته متى كان المعلوم أنّ في ذلك صلاحا للمكلّفين في الدين ، وإنّ ورود الجواب يكون لطفا لهم في النظر في الأدلة ، وإصابة الحقّ منها ؛ غير أنّ من أجاب بذلك شرط أن يبيّن النبيّ عليه السّلام في مسألته علمه باستحالة ما سأله ، وأنّ غرضه في السؤال ورود الجواب ليكون لطفا . والجواب الثاني في الآية : أن يكون موسى عليه السّلام إنّما سأل ربّه أن يعلمه نفسه ضرورة بإظهار بعض أعلام الآخرة ، التي [ يضطر عندها ] « 1 » إلى المعرفة ،
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفتين من تنزيه الأنبياء والأئمّه : 114 .