مِنْها
؟ فيقال له : لم ينف عودهم إليها على كل وجه ؛ وإنّما نفى العود إليها مع كونها منسوخة منهيّا عنها ؛ والذي علّقه بمشيئة اللّه تعالى من العود إليها هو بشرط أن يأمر بها ، ويتعبّد بمثلها ، والجواب مستقيم لا خلل فيه .
وثانيها : أنّه أراد أنّ ذلك لا يكون أبدا من حيث علّقه بمشيئة اللّه تعالى لمّا كان معلوما أنّه لا يشاؤه ؛ وكلّ أمر علّق بما لا يكون فقد نفي كونه على أبعد الوجوه ؛ وتجري الآية مجرى قوله تعالى :
وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
« 1 » وكما يقول القائل : أنا لا أفعل كذا حتى يبيضّ القار ؛ أو يشيب الغراب ؛ وكما قال الشاعر :
وحتّى يؤوب القارظان كلاهما * وينشر في القتلى كليب لوائل « 2 »
والقارظان لا يؤوبان أبدا ، وكليب لا ينشر أبدا ؛ فكأنّه قال : إنّ هذا لا يكون أبدا .
وثالثها : ما ذكره قطرب بن المستنير من أنّ في الكلام تقديما وتأخيرا ، وأنّ الاستثناء من الكفّار وقع لا من شعيب ؛ فكأنّه تعالى قال حاكيا عن الكفّار :
لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا
« 3 » ، إلّا أن يشاء اللّه أن تعودوا في ملّتنا ؛ ثمّ قال حاكيا عن شعيب :
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها
على كلّ حال .
ورابعها : أن تكون الهاء التي في قوله : « فيها » إلى القرية لا إلى الملّة ؛ لأنّ ذكر القرية قد تقدّم كما تقدم ذكر الملّة ؛ ويكون تلخيص الكلام : إنّا سنخرج من قريتكم ، ولا نعود فيها إلّا أن يشاء اللّه بما ينجزه لنا من الوعد في الإظهار عليكم ، والظّفر بكم ، فنعود إليها .
وخامسها : أن يكون المعنى : إلّا أن يشاء اللّه أن يردّكم إلى الحقّ ، فنكون
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : 40 .
( 2 ) البيت لأبي ذؤيب الهذليّ ، ديوان الهذليين : 11 / 45 . والقارظان هما رجلان من عنزة ؛ خرجا ينتحيان القرظ ويجتنيانه ، فلم يرجعا فضرب بهما المثل ؛ وانظر اللسان ( قرظ ) ، وشرح ديوان الهذليين .
( 3 ) سورة الأعراف ، الآية : 88 .