والثالث : ألّا يكون لها موضع ، ويكون المعنى : لا تشركوا به شيئا .
فأمّا موضع « تشركوا » فيمكن فيه وجهان :
النصب ب « أن » ؛ والثاني الجزم ب « لا » على جهة النهي .
فإن قيل : كيف يعطف النهي في قوله تعالى :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ
على الخبر وهو أوصى
أَلَّا تُشْرِكُوا
؟
قلنا : ذلك جائز ؛ مثل قوله تعالى :
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
« 1 » ؛ ومثل قول الشاعر :
حج وأوصى بسليمى الأعبدا * ألا ترى ولا تكلّم أحدا
ولم يزل شرابها مبرّدا
فعطف « لا تكلّم » - وهي نهي - على الخبر .
ويمكن في الآية وجه آخر غير مذكور فيها ، والكلام يحتمله : وهو أن يكون الكلام قد انقطع عند قوله تعالى :
أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ
والوقف هاهنا ، ثمّ ابتدأ
عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
.
وإذا كانت على هذا الوجه احتمل :
عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا
وجهين :
أحدهما : أن يراد به يلزمكم وواجب عليكم ذلك ؛ كما يقال : عليك درهم ، وعليك أن تفعل كذا ، ثمّ قال :
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
، أي أوصي بالوالدين إحسانا .
والوجه الآخر : أن يريد الإغراء ؛ كما تقول : عليك زيدا ؛ وعليك كذا إذا أمرت بأخذه والبدار إليه .
ولم يبق بعد هذا إلّا سؤال واحد ؛ وهو أن يقال : كيف يجوز أن يقول تعالى :
أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
، ثمّ يأتي بذكر أشياء غير محرّمات حتى يقدروا لها الوصية والأمر ، وصدر الكلام يقتضي أنّ الذي يأتي به من بعد
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 14 .