اختصّت وزال عنها الاحتمال ، واختصّت بما تكون البصر آلة فيه ، وهو الرؤية دون غيرها ، والذي يدلّ على ذلك أنّ أهل اللغة العربية لا يفصّلون بين قول أحدهم : « أدركت ببصري » و « رأيت ببصري » و « أحسست ببصري » ، ولأنّهم يصفون كلّ ما أطلقوا عليه أنّه مدرك بالبصر بأنّه مرئيّ بالبصر ، وهذا واضح في تساوي معنى اللفظين .
وبعد ، فلو كانت الرؤية غير الإدراك لوجب انفصالهما ، فلو كان أحدنا لا يعقل لنفسه متى أدرك ببصره الشيء وراء حالة واحدة ، واستحال أن يكون مدركا له ببصره وهو غير راء له ، وأن يكون رائيا له وهو مدرك له ببصره ، دلّ على أنّ المعنى في اللفظين واحد .
فإن قيل : ما أنكرتم أنّ الإدراك المنفيّ في الآية ، إنّما هو الإحاطة التي لا تجوز إلّا على الأجسام دون الرؤية ؟
قلنا : هذه الألفاظ تبطل من وجوه :
أوّلها : ما قدّمناه من أنّ اللغة الّذين إليهم نرجع في معاني هذه الألفاظ ، لا يفرّقون بين قول القائل « أدركت ببصري » و « رأيت وأحسست » ، فمن ادّعى أنّ الإدراك بمعنى الإحاطة ، كمن ادّعى ذلك في الرؤية والإحساس .
وثانيها : انّ الإدراك لا يستعمل في موضع من المواضع بمعنى الإحاطة .
ألا ترى أنّهم لا يقولون : « أدرك السور المدينة » و « أدرك الجراب الدقيق » ، وإذا كان مع الإطلاق لا يريدون بلفظة « الإدراك » الإحاطة ، فأحرى أن لا يريدوا ذلك مع التقييد بالبصر .
ثالثها : انّ الّذي نفاه تعالى عن نفسه من الإدراك في الآية الكريمة ، هو الذي أثبته لها ، وقد علمنا أنّه لم يرد بقوله تعالى :
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
الإحاطة ، بل أراد الرؤية ، فيجب أن يكون ما نفاه كذلك .
فإن قالوا : فلم أنكرتم أن يكون الإدراك بالبصر رؤية مخصوصة ، وهي المتناولة للمرئيّ من جميع جهاته ، وأن يكون إنّما نفي هذه الرؤية عن نفسه دون الرؤية المطلقة ؟