تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
وليس يمتنع أن يريد بإثمي ما ذكرناه ؛ لأنّ الإثم مصدر ، والمصادر قد تضاف إلى الفاعل والمفعول جميعا ، وذلك مستعمل مطّرد في القرآن والشعر والكلام . فمثال ما أضيف إلى الفاعل قوله تعالى :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
« 1 » ومن إضافته إلى المفعول قوله تعالى :
لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ
« 2 » وقوله تعالى :
لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ
« 3 » . وممّا جاء في الشعر من إضافته إلى المفعول ومعه الفاعل قول الشاعر :
أمن رسم دار مربع ومصيف * لعينيك من ماء الشّؤون وكيف « 4 »
وفي الكلام : يقول القائل : أعجبني ضرب عمرو خالدا ، إذا كان « عمرو » فاعلا ، وضرب عمرو خالد إذا كان « عمرو » مفعولا . وقد ذكر قوم في الآية وجها آخر : وهو أن يكون المراد : إنّي أريد زوال أن تبوء بإثمي وإثمك ؛ لأنّه لم يرد له إلّا الخير والرّشد ؛ فحذف « الزوال » ، وأقام « أن » وما اتّصل بها مقامه ؛ كما قال تعالى :
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ
« 5 » أراد « حبّ العجل » فحذف « الحبّ » وأقام « العجل » مقامه ، وكما قال تعالى :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
« 6 » ، وهذا قول بعيد ، لأنّه لا دلالة في الكلام على محذوف ، وإنّما تستحسن العرب الحذف في بعض المواضع لاقتضاء الكلام المحذوف ودلالته عليه . وذكر أيضا وجه آخر : وهو أن يكون المعنى : إنّي أريد ألّا تبوء بإثمي وإثمك ، أي أريد ألّا تقتلني ولا أقتلك ، فحذف « لا » واكتفى بما في الكلام ، كما قال تعالى :
هامش
( 1 ) سورة الحج ، الآية : 40 . ( 2 ) سورة فصلت ، الآية : 49 . ( 3 ) سورة ص ، الآية : 24 . ( 4 ) البيت للحطيئة ، ديوانه : 39 ، وهو مطلع قصيدة يمدح فيها سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص ؛ حينما كان واليا على المدينة . الشؤون : مجاري الدمع من الرأس إلى العين ؛ واحدها شأن ، وكيف : مصدر وكف ، أي سأل . وفي حاشية بعض النسخ : « يقول : أأن رسم دارا مربع ومصيف بكيت ! والمربع والمصيف واردان مورد المصدر ، فلذلك عملا في رسم دار » . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية : 93 . ( 6 ) سورة يوسف ، الآية : 82 .