فبين به أن رفع الصوت بحضور الرسول يحبط سائر طاعتهم حتى يصيروا كأنهم لم يفعلوها ومنها قوله
( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ )
فدل بذلك على أن الفعل لا يحسن إلا مع المعرفة دون أن يتبع في ذلك الفعل قول قائل مع الشك ومنها قوله
( وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ )
فدل بذلك على أن في الفسوق ما ليس بكفر وفي العصيان ما ليس بفسق ولولا ذلك لم نميز بين الثلاثة ومنها ما نجعله أصلا في النهي عن المنكر وهو قوله
( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما )
فأمر بالاصلاح أوّلا ثمّ قال
( فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ )
فأمر بالقتال ثانيا ونبه بالطرفين الذين هما الاصلاح والقتال على ما بينهما من الوسائط فان قيل فقد سمى الطائفتين مؤمنين وعندكم أنهما إذا اقتتلا لم يصح ذلك فيهما ؟ فجوابنا أنه أثبتهما مؤمنين قبل البغي والقتال لان قوله
( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا )
معناه اختاروا المقاتلة في المستقبل ومنها قوله
( بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ )
فدل بذلك على أن الفسق يخرج فاعله من أن يكون مؤمنا ومنها قوله
( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ )
لأن ذلك يدل على أن الايمان من نعمة اللّه تعالى من حيث ألطف لنا وسهل سبيلنا إلى فعله .