بذلك على أن الغفران يكون من قبلهم إذا تمسكوا من طاعة اللّه بما يوجب الغفران ثمّ قال تعالى
( مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ )
فنبه بذلك على أن أمر الآخرة موقوف على هذين فمن عمل صالحا فله الجنة ومن أساء فهو من أهل النار .
[ مسألة ]
وربما قيل في قوله تعالى
( ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )
كيف يصح أن ينهاه عما تمنع النبوّة منه . وجوابنا ان النبوة لا تمنع من القدرة على ذلك والتمكن منه وإنما لا يختاره فالنهي عن ذلك يصح ويكون أحد ما يدعو النبي إلى ترك ذلك وقوله تعالى من بعد
( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً )
يدل على أن الوعيد لاحق بهم وانهم من أهل العذاب لأنهم لو صاروا من أهل الجنة لكان تعالى قد سوى بينهم .
[ مسألة ]
وربما قيل في قوله تعالى
( أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ )
كيف يصح اتخاذ الهوى إلها ؟ وجوابنا أنه يطيع الهوى ويعدل عن طريقة العقل وذلك تشبيه يحسن في اللغة ومعنى قوله تعالى
( وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ )
أنه أضله عن الثواب إلى العقاب ومعنى قوله تعالى
( وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً )
ما قدمناه من العلامة التي يفعلها اللّه تعالى وقد تقدم القول في ذلك وقوله من بعد
( هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )
من أقوى الصوارف عن المعاصي فإنها إذا تفرقت على الأوقات ثمّ جمعت في الصحيفة عظمت على من عرضت عليه وقوله تعالى من بعد
( ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا )
يدل على أن الأعراض عن الآيات من أعظم الذنوب وكذلك الاغترار بالدنيا .