تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
يختار ما يشاء ومن يشاء من جملة ما يخلق . ومن ليس إليه شئ من الخلق . فما له والاختيار ؟ ! الاختيار للحقّ استحقاق عزّ يوجب أن يكون ذلك له ، لأنّه لو لم ينفّذ مشيئته واختياره لم يكن بوصف العزّ ، فمن بقي عن مراده لا يكون إلّا ذليلا ؛ فالاختيار للحقّ نعت عزّ ، والاختيار للخلق صفة نقص ونعت بلاء وقصور ؛ فاختيار العبد غير مبارك عليه لأنّه صفة هو غير مستحقّ لها ، ومن اتصف بما لا يليق به افتضح في نفسه ، قال قائلهم :
ومعال إذا ادّعاها سواه * لزمته جناية السّرّاق
والطينة إذا ادّعت ما هو صفة الحقّ أظهرت رعونتها ، فما للإنسان والاختيار ؟ ! وما للمملوك والملك ؟ ! وما للعبيد والتصدّر في دست « 1 » الملوك ؟ ! قال تعالى :
« ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ »
« 2 » قوله جل ذكره :

[ سورة القصص ( 28 ) : آية 69 ]

وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ( 69 ) ولم لا وقد قال :
« أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ »
؟ فالعلم - الذي لا يعزب عنه معلوم - نعت من لم يزل ، والإبداع من العدم إلى الوجود يتفرّد بالقدرة عليه لم يزل . قوله جل ذكره :

[ سورة القصص ( 28 ) : آية 70 ]

وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 70 )
« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
: توحّد بعزّ هيبته ، وتفرّد بجلال ربوبيته ، لا شبيه يساويه ،
هامش
( 1 ) هكذا في م وهي الصواب ، أما في ص فقد وردت ( درس ) وهي خطأ في النسخ . ( 2 ) واضح من مذهب القشيري شئ هام جدا أنه يقف عند ( ويختار ) وتكون ( ما ) في هذه الحالة نافية ، وهو بهذا ينسجم مع مذهب أهل السنة في أن اللّه خالق كل شئ حتى أكساب العباد . أما الزمخشري فيرى ( ما كان لهم الخيرة ) بيانا لقوله ( ويختار ) ولهذا لم يدخل العاطف . ويرفض الطبري أن تكون ( ما ) نافية لئلا يكون المعنى إنهم لم تكن لهم الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل ، ويرد عليه بأن ( ما ) تصلح لنفى الحال والاستقبال .