قوله جل ذكره :
[ سورة هود ( 11 ) : آية 24 ]
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 24 )
الآية مثل الكافر في كفره كالأعمى والأصم ، ومثل المؤمن في إيمانه كالسميع والبصير - هذا بيان التفسير .
والإشارة فيه أن الأعمى من عمى عن الإبصار بسرّه ، والأصمّ الذي طرش بسمع قلبه ؛ فلا باستدلاله شهد سر تقديره في أفعاله ، ولا بنور فراسة توهم ما وقف عليه من مكاشفات الغيب لقلبه ، ولا بسمع القبول استجاب لدواعي الشريعة ، ولا بحكم الإنصاف انقاد لما يتوجّب عليه من مطالبات الوقت مما يلوح لسرّه من تلويحات الحقيقة .
وأما البصير فهو الذي يشهد من الحق أفعاله بعلم اليقين ، ويشهد صفاته بعين اليقين ، ويشهد ذاته بحق اليقين ، والغائبات له حضور ، والمستورات له كشف . فالذي يسمع فصفته ألا يسمع هواجس النّفس ولا وساوس الشيطان ؛ فيسمع من دواعي العلم شرعا ، ثم من خواطر التعريف قدرا ، ثم يكاشف بخطاب من الحق سرّا « 1 » فهؤلاء لا يستويان ، ولا في طريق يلتقيان :
راحت مشرّقة ورحت مغرّبا * فمتى التقاء مشرّق ومغرّب ؟ !
قوله جل ذكره :
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 25 إلى 26 ]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 25 ) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ( 26 )
كان نوح عليه السلام أطول الأنبياء عمرا وأشدّهم بلاء ، وسمى نوحا لكثرة نوحه على نفسه . . وسبب ذلك أنه مرّ بكلب فقال : ما أقبحه ! فأوحى اللّه إليه أن اخلق أنت أحسن من هذا . فأخذ يبكى وينوح على نفسه كلّ ذلك النّوح . فكيف بحال من لم يذكر يوما مما مضى من عمره في مدة تكليفه - ولم يحصل منه للّه كثير من ولاية ! ؟
هامش
( 1 ) تفيد هذه الإشارة في بيان أحكام « السماع » عند الصوفية .