شتّان بين أمة وأمة ؛ أمة يختارهم نبيّهم - عليه السّلام ، وبين أمة اختارها الحقّ - سبحانه ، فقال :
« وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ »
« 1 » .
الذين اختارهم موسى قالوا :
« أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ »
والذين اختارهم الحق - سبحانه - قال اللّه تعالى فيهم :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
« 2 » .
ويقال إن موسى - عليه السّلام - جاهر الحقّ - سبحانه - بنعت التحقيق وفارق الحشمة وقال صريحا :
« إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ »
ثم وكل « 3 » الحكم إليه فقال :
« تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ »
ثم عقّبها ببيان التضرع فقال :
« فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا »
، ولقد قدّم الثناء على هذا الدعاء فقال :
« أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا »
.
قوله جل ذكره :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 156 ]
وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ( 156 )
نطق بلسان التضرع والابتهال حيث صفّى إليه الحاجة ، وأخلص له في السؤال فقال :
« وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ »
أي اهدنا إليك .
وفي هذه إشارة إلى تخصيص نبيّنا - صلّى اللّه عليه وسلّم - في التبري من الحول والقوة والرجوع إلى الحقّ لأن موسى - عليه السّلام قال :
« وَاكْتُبْ لَنا فِي . . . . »
ونبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تكلني إلى نفسي طرفة عين » ولا أقلّ من ذلك ، وقال :
« واكفلنى كفالة الوليد » ثم زاد في ذلك حيث قال : « لا أحصى ثناء عليك » « 4 » .
هامش
( 1 ) آية 32 سورة الدخان والمقصود أمة المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم .
( 2 ) آية 22 سورة القيامة
( 3 ) وردت ( وقل ) والصواب أن تكون ( وكل ) إليه الحكم .
( 4 ) قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللهم اكفلنى كفالة الوليد ، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ، وجهت وجهي إليك ، وألجأت ظهري إليك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك » .
اللهم اكفلنى كفالة الوليد . . . علمها النبي ( ص ) لبعض أصحابه ، للشيخين من حديث البراء . اللهم أمتعني بسمعي وبصرى : الترمذي ، والحاكم عن أبي هريرة « ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين » الحاكم من حديث أنس قال : صحيح على شرط الشيخين ، وعلّمه صلّى اللّه عليه وسلّم لابنته الزهراء .