اشتملت الآية على جنسين من قبيح ما فعلوه : أحدهما سؤالهم الرؤية والثاني عبادة العجل بعد ما ظهرت لهم الآيات الباهرة .
فأمّا سؤالهم الرؤية فذمّوا عليه لأنهم اقترحوا عليه ذلك بعد ما قطع عذرهم بإقامة المعجزات ، ثم طلبوا الرؤية لا على وجه التعليم ، أو على موجب التصديق به ، أو على ما تحملهم عليه شدة الاشتياق ، وكل ذلك سوء أدب .
الإشارة فيه أيضا أن من يكتفى بأن يكون العجل معبوده - متى - يسلم له أن يكون الحقّ مشهوده ؟
ويقال القوم لم يباشر العرفان أسرارهم فلذلك عكفوا بعقولهم « 1 » على ما يليق بهم من محدود جوّزوا أن يكون معبودهم .
قوله جل ذكره :
وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً
.
حجة ظاهرة ، بل تفردا صانه من التمثيل والتعطيل .
والسلطان المبين التحصيل والتنزيه المانع من التعطيل والتشبيه .
ويقال السلطان المبين القوة بسماع الخطاب من غير واسطة .
هامش
( 1 ) هذا كلام له أهمية قصوى في تحديد مدى تقدير القشيري لقيمة العقل .
فنحن نعرف من مذهبه في المعرفة أن العقل يعول عليه فقط في البداية ، يقول في رسالته ص 197 ( تجب البداءة بتصحيح اعتقاد بين العبد وبين اللّه تعالى صاف عن الظنون والشبه خال من الضلال والبدع صادر عن البراهين والحجج ) ولكن العقل بعدئذ غير جدير بمواصلة الصعود إلى ما هو أعلى من ذلك لأنه يصاب بآفات ( التجويز والتحير والتوهم والتحدد ) ويناط بغير العقل من الملكات الأخرى وهي القلب والروح والسر وعين السر أو سر السر أن تواصل القصود نحو الذرى العليا . فما أشبه الذين يريدون تطبيق الوسائل العقلية على الربوبية بمن عبدوا العجل ! وعكفوا بعقولهم على المحدود !