تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
ويقال يشكره لأنه يعلم ضعفه ، ويقال يشكره لأنه يعلم أنه لا يعصى وقصده مخالفة ربّه ولكنه يذنب لاستيلاء أحوال البشرية عليه من شهوات غالبة . ويقال يشكره لأن العبد يعلم في حالة ذنوبه أن له ربّا يغفر له . قوله جل ذكره :

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 148 ]

لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ( 148 ) قول المظلوم في ظالمه - على وجه الإذن له - ليس بسوء في الحقيقة ، لكنه يصح وقوع لفظة السوء عليه كقوله تعالى :
« وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها »
« 1 » والجزاء ليس بسيئة . ويقال من علم أن مولاه يسمع استحيا من النطق بكثير مما تدعو نفسه إليه . ويقال الجهر بالسوء هو ما تسمعه نفسك منك فيما تحدّث في نفسك من مساءة الخلق ؛ فإن الخواص يحاسبون على ما يتحدثون في أنفسهم « 2 » بما ( يعد ) « 3 » لا يطالب به كثير من العوام فيما يسمع منهم الناس . قوله :
« إِلَّا مَنْ ظُلِمَ »
: قيل ولا من ظلم . وقيل معناه ولكن من ظلم فله أن يذكر ظالمه بالسوء « 4 » . ويقال من لم يؤثر مدح الحقّ على القنح في الخلق فهو المغبون في الحال . ويقال من طالع الخلق بعين الإضافة إلى الحق بأنهم عبيد اللّه لم ينبسط فيهم لسان اللوم ؛
هامش
( 1 ) الآية 40 سورة الشورى . ( 2 ) من ذلك ما يحكيه القشيري في كتابه « التحبير في التذكير » عن الشبلي حيث يقول : « قال بعضهم كنت مع الشبلي - رحمه اللّه - ففتح له بمنديل حسن فمر بكلب ميت فقال لي : كفن هذا الكلب بهذا المنديل . وعدت إليه فقال لي فعلت ما أمرتك به ؟ فقلت : لا . فلم يقل لي شيئا فقلت له : ما سبب ذلك الذي أمرتني به ؟ فقال : عندما مررت به استقذرته واستقبحته ، فنوديت في سرى : ألسنا نحن خلقناه ؟ فأمرتك بذلك كفارة لما خطر لي » . ( 3 ) ربما كانت هذه اللفظة ( يعد ) زائدة ، أو سقطت ( لا ) قبلها فيكون معنى ( لا يعد ) لا يحسب ولا يعتبر . ( 4 ) عن ابن عباس : إن اللّه لا يحب أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوما فإنه قد أرخص له . وعن الحسن البصري يكفى أن يقول المظلوم « اللهم أعنى عليه واستخرج حقي منه » وفي رواية عنه أنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدى عليه .