تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
يفسخ كلّ عقد يصدّه عن هذا الطريق ، وينقض كل عزم يرده عن هذا التحقيق ، وإذا طهّر تطهّر عن كل دنس من آثار الأغيار بماء الخجل ثم بماء الحياء ثم بماء الوفاء ثم بماء الصفاء ، فإذا تجرّد عن ثيابه تجرد عن كل ملبوس له من الأخلاق الذميمة ، وإذا لبّي بلسانه وجب ألا تبقى شعرة من بدنه إلا وقد استجابت للّه . فإذا بلغ الموقف وقف بقلبه وسرّه حيث وقفه الحق بلا اختيار مقام ، ولا تعرض لتخصيص ؛ فإذا وقف بعرفات عرف الحق سبحانه ، وعرف له تعالى حقّه على نفسه ، ويتعرّف إلى اللّه تعالى بتبرّيه عن منّته « 1 » وحوله ، والحقّ سبحانه يتعرّف إليه بمنّته وطوله ، فإذا بلغ المشعر الحرام يذكر مولاه بنسيان نفسه ، ولا يصحّ ذكره لربّه مع ذكره لنفسه ، فإذا بلغ منّي نفى عن قلبه كل طلب ومنى ، وكلّ شهوة وهوى . وإذا رمى الجمار رمى عن قلبه وقذف عن سره كل علاقة في الدنيا والعقبى . وإذا ذبح ذبح هواه بالكلية ، وتقرّب به إلى الحق سبحانه ، فإذا دخل الحرم عزم على التباعد عن كل محرّم على لسان الشريعة وإشارة الحقيقة . وإذا وقع طرفه على البيت شهد بقلبه ربّ البيت ، فإذا طاف بالبيت أخذ سرّه بالجولان في الملكوت . فإذا سعى بين الصفا والمروة صفّى عنه كل كدورة بشرية وكل آفة إنسانية . فإذا حلق قطع كلّ علاقة بقيت له . وإذا تحلل من إحرام نفسه وقصده إلى بيت ربّه استأنف إحراما جديدا بقلبه ، فكما خرج من بيت نفسه إلى بيت ربه يخرج من بيت ربه إلى ربه تعالى . فمن أكمل نسكه فإنما عمل لنفسه ، ومن تكاسل فإنّ اللّه غنى عن العالمين وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحاج أشعث أغبر » ، فمن لم يتحقق بكمال الخضوع والذوبان عن كليته فليس بأشعث ولا أغبر .
هامش
( 1 ) ضبطناها هكذا لأن القشيري يميز بين ( المنّة ) للحق و ( المنّة ) للعبد .
لطائف الإشارات — صفحة 264 | ابو القاسم عبد الكريم القشيري / إبراهيم بسيوني