أخبر أنهم متفاوتون في نقائص كفرهم ، فقوم منهم أخسّ درجة وأكثر جهلا ركنوا إلى التقليد ، ولم يملكهم استيلاء شبهة بل اغتروا بظنّ وتخمين ، فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم إلا قراءتها ، دون معرفة معانيها . ومنهم من أكثر شأنه ما يتمناه في نفسه ، ولا يساعده إمكان ، ولا لظنونه قط تحقيق . ثم أخبر عن سوء عاقبتهم بقوله جل ذكره :
« فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ »
.
أي خسروا في الحال والمآل ، والإشارة في هذه الآية لمن عدم الإخلاص في الصحبة في طريق الحق ؛ ينضمّ إلى الأولياء ظاهرا ثم لا تصدق له إرادة فهو مع أهل الغفلة مصاحب ، وله مع هذه الطريقة جانب ، كلما دعته هواتف الحظوظ تسارع إلى الإجابة طوعا ، وإذا قادته دواعي الحق - سبحانه - يتكلف شيئا ، فبئست الحالة حين لم يخلص ، وما أشد ندمه فيما ادّخر عن اللّه ! ثم لا يفلح .
قوله جل ذكره :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 80 ]
وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 80 )
الإشارة في هذه الآية لمن مرت على قلبه دعاواه العريضة ، وغلب عليه حسبانه ، فحكم لنفسه - لفرط غفلته - بأنه من أهل القصة « 1 » ، ويخلد إلى هواجس مناه ، فيحكم على الغيب بأنه يتجاوز عنه ؛ نسي قبائح ما أسلفه ، ويذكر مغاليط ما ظنّه ، فهو عبد نفسه ، يغلب عليه حسن ظنه ، وفي الحقيقة تعتريه نتائج غفلته ومكره ، قال تعالى :
« وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ »
.
قوله جل ذكره :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 81 ]
بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 81 )
الذي أحاطت به خطيئته هو الكافر - على لسان العلم « 2 » .
هامش
( 1 ) أي من أهل الطريق الصوفي .
( 2 ) أي على لسان التفسير العادي أي غير الاشارى .