بغير استفهام لأن الاستفهام إذا كان فيه معنى التقرير صار نفيا إذا كان موجبا ، كما قال جلّ وعزّ :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ
[ الواقعة : 58 ، 59 ] وإن كان نفيا صار موجبا ؛ لأن نفي النفي إيجاب كما قال : [ الوافر ] .
422 -
ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح
« 1 » إلا أنّه من قرأ « أذهبتم » فليس يحمل معناه عنده على هذا ، ولكنّ تقديره : أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدّنيا وتطلبون النّجاة في الآخرة .
فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ
العامل في اليوم تجزون ينوى به التأخير .
بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ
أي استكباركم وفسقكم وإذا كانت « ما » هكذا مصدرا لم تحتج إلى عائد .
[ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 21 إلى 24 ]
وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 21 ) قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 22 ) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ( 23 ) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ ( 24 )
وَاذْكُرْ أَخا عادٍ
صرف عاد لأنه اسم للحيّ ولو جعل اسما للقبيلة لم ينصرف وإن كان على ثلاثة أحرف ، وكذا لو سمّيت امرأة بزيد لم ينصرف وإن سمّيتها بهند جاز الصرف عند الخليل وسيبويه « 2 » والكسائي والفراء إلّا أنّ الاختيار عند الخليل وسيبويه ترك الصرف ، وعند الكسائي والفراء الأجود الصّرف . فأما أبو إسحاق فكان يقول : إذا سمّيت امرأة بهند لم يجز الصّرف البتّة . وهذا هو القياس ؛ لأنها مؤنّثة وهي معرفة .
فأما قول بعض النحويين : إنّك إذا سمّيت بفعل ماض لم ينصرف فقد ردّه عليه سيبويه بالسّماع من العرب خلاف ما قال ، وأنّ له نصيرا من الأسماء ، وكذا يقال : كتبت أبا جاد بالصرف لا غير
إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ
قال مجاهد : الأحقاف أرض . وقال ابن أبين نعيم : الأحقاف : اسم أرض . وقال وهب بن منبّه : الأحقاف باليمن الأصنام والأوثان وقد قهروا الناس بكثرتهم وقوتهم . وقال محمد بن يزيد : واحد الأحقاف حقف وهو رمل مكتنز ليس بالعظيم وفيه اعوجاج ، قال : ويقال : احقوقف الشيء إذا اعوجّ حتّى كاد يلتقي طرفاه ، كما قال : [ الرجز ] 423 -
سماوة الهلال حتّى احقوقفا
« 3 » وانصرف الأحقاف وإن كان اسم أرض لأن فيه ألفا ولاما . قال سيبويه : واعلم أن كلّ ما لا ينصرف إذا دخلته ألف ولام أو أضيف انصرف .
وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ
جمع نذير ، وهو الرسول . ويجوز أن تكون النذر اسما للمصدر . قال الفراء :
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
هامش
( 1 ) مرّ الشاهد رقم 162 .
( 2 ) انظر الكتاب 3 / 265 .
( 3 ) الشاهد للعجاج في ديوانه 2 / 232 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 319 ، ولسان العرب ( حقف ) و ( زلف ) و ( وجف ) ، و ( سما ) ؛ بلا نسبة في الكتاب 1 / 425 ، وجمهرة اللغة 553 .