أي : بينا له ما عليه ، وما له ، وما يحمد عليه ، وما يذم ، وما يقبح ويجمل ، والنجد :
الطريق ، فبين [ للخلق ] « 1 » الطريقين جميعا : طريق الخير والشر ، ومكنهم من الفعلين جميعا .
وقال بعضهم « 2 » : النجدان : الثديان ، أي : هديناه الثديين في حالة الإرضاع .
ولكن التبيين والهداية لم ينصرف إلى هذا خصوصا ، بل هذا من بعض ما هداه وبينه ، فقد بين له غيره من الأمور ، ولا قيد في اللفظ ؛ فيحمل على الإطلاق والعموم .
قوله تعالى :
[ سورة البلد ( 90 ) : الآيات 11 إلى 20 ]
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( 11 ) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ( 12 ) فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 ) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 ) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ ( 15 )
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ( 16 ) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ( 17 ) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ( 18 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ ( 19 ) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ ( 20 )
وقوله - عزّ وجل - :
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ
:
قيل : فيه من وجهين :
أحدهما : فهلا اقتحم العقبة .
والثاني : أنه لم يقتحم .
فإن كان على الأول ، فمعناه : أن الذي قال : أنفقت مالا لبدا ، كيف لا كان إنفاقه في فك الرقبة ، وفي الإنفاق على اليتيم والمسكين الذي بلغ به الجهد إلى أن ألصق « 3 » بالتراب ؟ ويكون من جملة من آمن بالله - تعالى - وتواصى بالصبر والمرحمة ؛ ليكون من أصحاب الميمنة ، ويكسب بذلك الحياة الطيبة في الآخرة دون أن تكون العاقبة في الملاهي وشهوات النفس ؛ فلم يحصل لنفسه حمدا ولا أجرا في العقبى ، بل صار من أصحاب المشأمة ، فيكون ما بعد قوله :
أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً
[ البلد : 6 ] صلة له وتفسيرا .
وإن كان التأويل على النفي ، ففيه تكذيبه فيما زعم أنه أنفق مالا لبدا ، فيقول : لو كان على ما يظن ، لظهر ذلك ، بفك الرقاب والمواساة على اليتيم وعلى المسكين الذي هو ذو متربة ؛ فيكون هذا كله صلة قوله - عزّ وجل - :
أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً
أيضا .
ثم قيل في العقبة من وجهين :
هامش
( 1 ) سقط في ب .
( 2 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 37306 ) ، وعبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم من طرق عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 595 ) .
( 3 ) في ب : لصق .