تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
ويحتمل أن يكون قوله :
وَجاءَ رَبُّكَ
، أي : جاء وعده ووعيده ، فنسب المجيء إلى الله تعالى ، وإن لم يكن ذلك وصفا له ؛ لأنه « 1 » يجوز أن تنسب آثار الأفعال إلى الله - تعالى - نسبة حقيقة الفعل وإن لم يوصف به ، كما قال الله - تعالى - :
فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا
[ التحريم : 12 ] فأضيف النفخ إليه وإن لم يوصف بأنه نافخ ، وقال :
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
[ المائدة : 45 ] ، فأضيفت الكتابة إليه وإن لم يوصف بأنه كاتب ؛ لما أن ما ظهر من آثار فعله ، ويقال : المطر رحمة الله ؛ أي : من آثار رحمته ، لا أن يكون المطر صفة له ، ويقال : الصلاة أمر الله ، والزكاة أمر الله ، أي : بأمر الله نصلي ، وبأمره نزكي ، لا أن يكونا وصفين له . ووجه آخر : أن يكون معنى قوله - تعالى - :
وَجاءَ رَبُّكَ
، أي : جاء الوقت الذي به صار إنشاء هذا العالم حكمة ؛ إذ لولا البعث للجزاء ، لكان إنشاء هذا العالم ثم الإهلاك خارجا مخرج العبث ؛ لما وصفناه من قبل ؛ لقوله :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
[ المؤمنون : 115 ] ؛ فثبت أن خلقه إنما صار حكمة بالبعث ، وقال [ الله ] « 2 » تعالى :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ غافر : 16 ] وقد كان الملك له قبل ذلك اليوم ، ولكن ملكه لكل أحد يتبين في ذلك الوقت ، وقال :
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً
[ إبراهيم : 21 ] وقد كان كل شيء له بارزا ، ولكن معناه : أنه أتى الوقت الذي له برز الخلائق . ثم الأصل في كل ما أضيف إلى الله - تعالى - أن ينظر إلى ما يليق أن يوصل بالمضاف إليه ، فتصله به وتجعله مضمرا فيه ، قال الله - تعالى - :
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ
[ المجادلة : 7 ] ، ولم يفهم إثبات الحضور ، وكان معناه : أن علمه محيط بهم ، وهو مطلع عليهم . وقال « 3 » :
فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا
[ الحشر : 2 ] [ و ] لم يفهم به الانتقال ؛ بل كان معناه : أنه جاءهم بأسه ، وجاء لأوليائه نصره . وقال :
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ
[ النحل : 26 ] ، ولم يفهم بهذا الإتيان ما فهم من الإتيان الذي يضاف إلى الخلق .
هامش
( 1 ) زاد في أ : لا . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : فقال .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 524 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم