قوله تعالى :
[ سورة الانفطار ( 82 ) : الآيات 13 إلى 19 ]
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ( 14 ) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ ( 15 ) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ ( 16 ) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 17 )
ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 18 ) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ( 19 )
وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ . وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
: قد ذكرنا أن البر هو الذي ما طلب منه ، والذي طلب منه ما ذكر في قوله :
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ . .
. إلى قوله :
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
[ البقرة : 177 ] ، وفي هذه الآية دلالة على ما ذكرنا أن البر إذا ذكر دون التقوى ، اقتضى المعنى الذي يراد بالتقوى ؛ لأنه أخبر أن البر هو الإيمان بالله - تعالى - واليوم الآخر ، ثم ذكر أن الذي جمع بين هذه الأشياء ، فهو المتقي .
ثم احتجت المعتزلة لقولهم بالتخليد في النار لمن ارتكب الكبيرة بقوله تعالى :
وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
إلى قوله :
وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ
؛ لأن مرتكب الكبيرة فاجر ، وقد وصف الله - تعالى - : أن الفجار لفي جحيم ، ولا يغيب عنها ، وزعموا أنه [ ما ] « 1 » لم يأت بالشرائط التي ذكر في قوله :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
[ البقرة : 177 ] فهو غير داخل في قوله :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ
.
والأصل عندنا ما ذكرنا : أن كل وعيد مذكور مقابل الوعد فهو في أهل التكذيب ؛ لما ذكر من التكذيب عند التفسير بقوله :
كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ
[ المطففين : 7 ] إلى قوله :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
[ المطففين : 10 ] ، وقال :
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ
إلى قوله :
فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ
[ المؤمنون : 104 ، 105 ] ، وإذا كان كذلك ، لم يجب قطع القول بالتخليد في [ النار ] لمن ارتكب الكبيرة ، بل وجب القول بالوقف فيهم .
ثم [ إن ] « 2 » الله - تعالى - جعل لأهل النار يوم البعث أعلاما ثلاثة ، بها يعرفون ، وتبين أنهم من أهل النار ، لم يجعل شيئا من تلك الأعلام في أهل السعادة :
أحدها : اسوداد الوجوه بقوله :
وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ
[ آل عمران : 106 ] .
والثاني : بما يدفع إليهم كتابهم بشمالهم ، ومن وراء ظهورهم ، ويدفع إلى أهل الجنة كتبهم بأيمانهم .
والثالث : في أن تخف موازينهم ، وتثقل موازين أهل الحق .
هامش
( 1 ) سقط في ب .
( 2 ) سقط في ب .